في ظل تصاعد الضغوط على الاقتصاد التركي، كشف البنك المركزي التركي عن خسائر جديدة خلال عام 2024 بلغت 700.4 مليار ليرة تركية (نحو 18.4 مليار دولار)، وفقًا للميزانية العامة المنشورة في الجريدة الرسمية يوم الثلاثاء. وتأتي هذه الخسائر امتدادًا لعام مالي سابق أكثر تدهورًا، إذ بلغت خسائر البنك المركزي في 2023 ما يقرب من 818.2 مليار ليرة (ما يعادل 25 مليار دولار حينها)، مما يعكس تعمق الأزمة المالية في البلاد واتساع آثارها على المؤسسات السيادية.
برنامج الودائع المحمية من تقلبات العملات: عبء مالي باهظ
ويُعزى الجزء الأكبر من هذه الخسائر المتتالية إلى سياسة مثيرة للجدل تبنّتها السلطات في أواخر عام 2021، تمثلت في إطلاق برنامج الودائع المحمية من تقلبات أسعار الصرف، بهدف الحدّ من تدهور قيمة الليرة. وقد نصّ البرنامج على تعويض المودعين بالليرة في حال حدوث أي انخفاض مقابل العملات الأجنبية، وهو ما ألحق أعباء مالية ثقيلة على خزينة الدولة.
وعلى الرغم من إنهاء العمل بهذا البرنامج في وقت سابق من عام 2024، فإن تبعاته لا تزال تثقل كاهل البنك المركزي، الذي امتنع للسنة الثانية على التوالي عن تحويل أي أرباح إلى وزارة الخزانة، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم الخسائر وتداعيات السياسات الاقتصادية قصيرة الأجل.
ارتفاع في إجمالي الأصول رغم العجز
وبحسب التقرير المالي الثالث والتسعين للبنك المركزي، فقد ارتفع إجمالي أصوله من 6.92 تريليون ليرة في نهاية عام 2023 إلى 8.59 تريليون ليرة بحلول نهاية 2024، في مؤشر يعكس توسع ميزانية البنك رغم العجز الضخم المسجل.
ومن المرتقب أن يعقد البنك جمعيته العمومية السنوية في 30 أبريل الجاري بالعاصمة أنقرة، لمناقشة نتائج السنة المالية وتقييم التوجهات المستقبلية.
الاقتصاد التركي في مهبّ التضخم والشكوك السياسية
وتأتي هذه المؤشرات المالية المقلقة في وقت تواجه فيه تركيا أزمة اقتصادية مركّبة، تتجلى في ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الثقة في العملة المحلية، وتدهور ثقة المستثمرين. فعلى الرغم من تراجع معدل التضخم الرسمي إلى 38.1٪ في مارس 2025، في أدنى مستوياته منذ عشرة أشهر متتالية، إلا أن مجموعات اقتصادية مستقلة، أبرزها “مجموعة أبحاث التضخم” (ENAG)، تشير إلى أن معدل التضخم الحقيقي قد بلغ 75.2٪ خلال نفس الشهر، مما يعكس فجوة كبيرة بين الأرقام الرسمية والتقديرات المستقلة.
توترات سياسية تزيد من ضبابية المشهد المالي
وفي موازاة الأزمة الاقتصادية، أدت التوترات السياسية الأخيرة إلى تعميق القلق في الأسواق. فقد تسبب توقيف رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو الشهر الماضي، ضمن تحقيقات وُصفت على نطاق واسع بأنها ذات دوافع سياسية، في اضطراب واسع داخل الأوساط المالية والاقتصادية، خصوصًا في ظل ما اعتبره مراقبون محاولة لإقصاء شخصية سياسية بارزة قبيل الاستحقاقات الديمقراطية المقبلة.
ووفقًا لتقارير إعلامية تركية، فإن الخسائر الإضافية المحتملة للبنك المركزي عقب توقيف إمام أوغلو قد تتجاوز حاجز 45 مليار دولار، نتيجة لقيام البنك بضخ كميات كبيرة من احتياطاته من العملات الأجنبية في السوق بهدف استقرار سعر صرف الليرة، عوضًا عن السماح لها بالتكيّف الطبيعي مع الواقع الاقتصادي.
مزيج خطير من التدهور المالي والتوتر السياسي
تُجمع التحليلات الاقتصادية على أن ما تشهده تركيا حاليًا يُعد من أكثر الفترات حساسية منذ عقود، إذ تتقاطع أزمات التضخم الحاد والسياسات النقدية المثيرة للجدل والتدخلات السياسية في الشأن القضائي، ما يهدد بمزيد من عدم الاستقرار في المستقبل القريب. وفي ظل غياب استراتيجية اقتصادية واضحة المعالم، ومع تآكل ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية، يبقى المشهد التركي مفتوحًا على جميع الاحتمالات

