بدأ البابا ليو الرابع عشر زيارته الرسمية إلى تركيا، في أول رحلة خارجية منذ توليه السدة البابوية في مايو الماضي، محمّلاً رسالة واضحة تدعو أنقرة إلى توسيع دورها كوسيط إقليمي في عالم يشهد تصاعداً غير مسبوق في وتيرة الصراعات.
وقد جاءت هذه الرسالة خلال لقائه بالرئيس رجب طيب أردوغان، حيث دعا إلى جعل تركيا “مصدر استقرار وتقارب بين الشعوب” في لحظة عالمية مشحونة بالتوترات.
البابا يشيد بتنوع البلاد… وأردوغان يؤكد رفض التمييز
خلال خطاباته الرسمية في المجمع الرئاسي، شدّد البابا على المكانة الجغرافية والروحية التي تضع تركيا عند تقاطع حضاري بين آسيا وأوروبا، وعلى دورها الحيوي في المتوسط. وأبرز أهمية “الثراء الداخلي” الناتج عن تعددية المجتمع التركي، مشيراً إلى أن “التماثل ليس ثراءً، بل إن الحيوية تنبع من التعدد”.
وأشار في كلمته إلى أن المسيحيين في تركيا، البالغ عددهم نحو مئة ألف فقط، “يشعرون بأنهم جزء من الهوية التركية” ويسعون إلى الإسهام الإيجابي في وحدة البلاد.
من جهته، أكد الرئيس أردوغان أن الدولة “لا تسمح بتمييز أي فرد على أساس الدين أو الهوية”، معتبراً أن التنوع الثقافي والديني “مصدر إثراء”. كما أشاد بمواقف البابا تجاه القضية الفلسطينية، داعياً إلى تحقيق “العدالة” للشعب الفلسطيني ودفع مسار حل الدولتين.
جولة ذات رمزية تاريخية… وزيارة إلى ضريح أتاتورك
وصل البابا إلى أنقرة وسط تحضيرات أمنية واسعة أفضت إلى إخلاء الشوارع على امتداد مسار موكبه. وتوجه فور وصوله لزيارة ضريح مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، في خطوة رمزية تؤكد احترامه للهوية الوطنية الحديثة لتركيا.
وتستمر جولة البابا عبر إسطنبول ثم إزنيق قبل الانتقال إلى لبنان الأحد المقبل، ضمن رحلة تمتد ستة أيام تشمل بلدين يشكلان عقدة روحية وسياسية في شرق المتوسط.
تركيا وسيط في غزة وأوكرانيا… والبابا يدعو إلى “حوار صبور”
أشاد البابا بدور تركيا المتنامي في محاولات التهدئة في كل من غزة وأوكرانيا، مؤكداً الحاجة إلى “إرادة صلبة وصبر طويل” لتفعيل الحوار في عالم يتقدم فيه الصراع على الدبلوماسية. واعتبر أن هذه الزيارة “لحظة تاريخية” تحمل رسائل تمتد إلى العالم المسيحي والعالم بأسره.
قداس مسكوني يعيد وصل ما انقطع بين الكنيستين
ينتقل البابا إلى مدينة إزنيق للاحتفال بالذكرى الـسبعة عشر قرناً لانعقاد مجمع نيقية الأول عام 325 للميلاد، وهو الحدث الذي أسهم في صياغة بيان الإيمان المسيحي الأساسي. وقد جاءت الدعوة من البطريرك المسكوني برثلماوس الأول، الذي سيشارك البابا في صلاة مسكونية على بحيرة إزنيق.
وتأتي هذه الفعالية في ظل انقسامات أرثوذكسية متفاقمة وتصاعد الخلاف بين بطريركيتي موسكو والقسطنطينية بفعل الحرب في أوكرانيا، ما يمنح الاحتفال بعداً سياسياً إلى جانب قيمته الدينية.
شقاق متواصل منذ 1054… وصدع متجدد بسبب أوكرانيا
لا يزال الانقسام بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية قائماً منذ الانشقاق الكبير عام 1054، حيث يتمسك الكاثوليك بسيادة البابا، مقابل نظام الحكم الذاتي الذي تتبعه الكنائس الأرثوذكسية المحلية. وقد تعمقت الأزمة خلال السنوات الأخيرة مع النمو المتسارع للخلاف الروسي ـ القسطنطيني، ما انعكس على وحدة العالم الأرثوذكسي.
وتأتي زيارة البابا في هذه اللحظة لتعزيز مساعي الحوار بين المذاهب المسيحية، رغم التحديات المرتبطة بتعدد المراجع الروحية وتضارب المصالح السياسية.
محطة لبنان… بلد متنوع على حافة الانهيار
بعد ختام فعاليات إزنيق، يتوجّه البابا إلى لبنان الذي يواجه انهياراً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق منذ 2019، ويتعرض في الوقت نفسه لضربات إسرائيلية متكررة رغم وقف إطلاق النار. وتعكس الزيارة حرص الفاتيكان على دعم الدولة اللبنانية بصفتها إحدى آخر البلدان ذات النسيج الديني المتعدد في المنطقة.
خلفية تاريخية للزيارات البابوية إلى تركيا
تُعد هذه الزيارة الخامسة من نوعها لبابا الفاتيكان إلى تركيا، بعد زيارات لبول السادس ويوحنا بولس الثاني وبندكت السادس عشر والبابا فرنسيس بين ستينيات القرن الماضي وعام 2014، ما يعكس أهمية تركيا في مسار الحوار بين الأديان.

