كشف استطلاع وطني حديث عن تنامي الشكوك تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو) داخل تركيا، حيث أبدى 38.5% من الأتراك نظرة سلبية تجاه الحلف، بينما ظل 34.75% محايدين، في حين عبر 27% فقط عن موقف إيجابي. تعكس هذه الأرقام توجهاً متزايداً نحو الحياد أو عدم الثقة في الحلف الذي انضمت إليه أنقرة رسميًا عام 1952.
يأتي هذا الاستطلاع ضمن “المسح الاجتماعي العام التركي” (TGSS)، الذي يهدف إلى تقديم رؤية شاملة حول المشهد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في البلاد، على غرار دراسات مماثلة في الولايات المتحدة وأوروبا.
تركيا والناتو: تاريخ من التعاون وسط تزايد التوترات
كانت تركيا واحدة من أوائل الدول التي انضمت إلى الحلف بعد تأسيسه عام 1949، إلى جانب اليونان، لتعزيز الجبهة الجنوبية للناتو عبر توفير قدرات عسكرية كبيرة برًا وبحرًا وجوًا. وفي عام 2024، التزمت أنقرة بمعيار الإنفاق الدفاعي للناتو، مخصصة 2.09% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، لتصبح ضمن 23 دولة تحقق هذا الهدف. كما تحتل تركيا المرتبة الثامنة في المساهمة في ميزانية الناتو، بحصة 4.59%، والسابعة من حيث عدد الأفراد في هيكل القيادة العسكرية للحلف.
تصاعد الخلافات بين أنقرة والناتو
ورغم هذا الدور البارز، تزايدت التوترات بين تركيا والناتو، خاصة خلال العقدين الماضيين من حكم الرئيس رجب طيب أردوغان. تفاقمت الخلافات بسبب القضايا الأمنية الإقليمية والمعايير الديمقراطية، بدءًا من معارضة تركيا للدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، والتي تعتبرها أنقرة امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيًا، وصولًا إلى صفقة شراء منظومة الصواريخ الروسية S-400 عام 2019، ما أدى إلى فرض عقوبات أمريكية وإخراج تركيا من برنامج مقاتلات F-35.
كما لعبت أنقرة دورًا مزدوجًا في الحرب الروسية الأوكرانية، إذ توسطت في اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، لكنها في الوقت نفسه واصلت علاقاتها التجارية مع موسكو. علاوة على ذلك، استخدمت تركيا اتفاقية مونترو لعام 1936 لمنع دخول السفن الحربية للناتو والبحرية الروسية على حد سواء إلى البحر الأسود، ما أظهر استقلالية واضحة في سياساتها الدفاعية.
فيما يخص توسع الحلف، عطّلت تركيا عضوية السويد لعامين، مشترطة تعاونًا أكبر في تسليم مطلوبين تتهمهم بالإرهاب، إلى أن وافقت واشنطن في يناير 2024 على صفقة بيع مقاتلات F-16 لأنقرة، مما ساهم في حل الأزمة.
التوجه نحو تحالفات غير غربية
بالتوازي مع علاقتها المتوترة مع الناتو، أبدت تركيا اهتمامًا متزايدًا بتحالفات غير غربية، مثل منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) ومجموعة “بريكس” التي تضم الصين وروسيا ودولًا ناشئة أخرى. ورغم كونها شريكًا في منظمة شنغهاي منذ 2012، فإنها لم تتقدم رسميًا بطلب للانضمام إلى “بريكس”، غير أن هذه التحركات تعكس سعي أنقرة لتنويع شراكاتها في ظل التغيرات الجيوسياسية العالمية.
مستقبل العلاقات بين تركيا والناتو
يشير الاستطلاع الأخير إلى أن شريحة كبيرة من الأتراك باتت أكثر تشككًا في الناتو، ما قد يؤثر على مستقبل العلاقة بين الطرفين، لا سيما في ظل تزايد الاستقلالية التركية عن السياسات الغربية وتعزيزها لعلاقاتها مع قوى دولية أخرى. وبينما يظل التعاون العسكري قائمًا، فإن استمرار الخلافات قد يدفع أنقرة إلى إعادة تقييم دورها داخل الحلف في السنوات المقبلة.

