دخلت قضية مصرف خلق بنك الحكومي التركي مرحلة جديدة بعد توصل المصرف إلى اتفاق قضائي مع الادعاء العام في الولايات المتحدة يقضي بتعليق الملاحقات الجنائية بحقه مؤقتًا، مقابل التزامه بوقف أي معاملات مالية تعود بالنفع على إيران والخضوع لرقابة امتثال مالية مستقلة.
ويأتي هذا التطور في إطار تسوية قانونية تهدف إلى معالجة واحدة من أكثر القضايا المالية حساسية في العلاقات التركية الأميركية، والتي استمرت سنوات طويلة وشكلت مصدر توتر سياسي وقانوني بين أنقرة وواشنطن.
اتفاق تعليق الملاحقة القضائية
الاتفاق الذي أُودع لدى المحكمة الاتحادية في مدينة مانهاتن يقضي بإبرام تسوية من نوع تعليق الملاحقة القضائية بين مصرف خلق بنك ومكتب الادعاء العام الاتحادي في جنوب نيويورك.
وبموجب هذا الترتيب، يتم تعليق الإجراءات الجنائية مؤقتًا مع منح المصرف فرصة لإثبات التزامه بالقواعد المالية والعقوبات الدولية.
القاضي الاتحادي ريتشارد بيرمان قرر تعليق القضية لمدة تسعين يومًا للسماح بتنفيذ الإجراءات المنصوص عليها في الاتفاق. وإذا التزم المصرف بجميع الشروط المطلوبة، فإن الادعاء العام سيطلب لاحقًا إسقاط التهم بعد اكتمال مراجعة الامتثال.
لكن الاتفاق يتضمن بندًا واضحًا يقضي بإحياء الملاحقة القضائية في حال خرق المصرف أيًا من شروطه.
التزام بوقف أي معاملات تفيد إيران
الشرط المركزي في الاتفاق يتمثل في تعهد المصرف التركي بعدم إجراء أو تسهيل أي معاملات مالية يمكن أن تفيد إيران بشكل مباشر أو غير مباشر.
كما يفرض الاتفاق على المصرف تعيين خبير مستقل متخصص في مكافحة غسل الأموال والالتزام بالعقوبات الدولية، تكون مهمته مراجعة أنظمة الرقابة الداخلية في المصرف وتقييم مدى التزامه بالضوابط المالية المفروضة.
ويتوجب على المصرف التعاون الكامل مع عملية المراجعة وتقديم المعلومات المطلوبة لضمان الامتثال الكامل لبنود الاتفاق.
خلفية القضية: اتهامات بالتحايل على العقوبات
تعود جذور القضية إلى عام 2019 عندما وجه الادعاء الأميركي اتهامات إلى مصرف خلق بنك تتعلق بالاحتيال المالي وغسل الأموال والتآمر.
وبحسب لائحة الاتهام، ساعد المصرف في تمرير نحو عشرين مليار دولار من الأموال الإيرانية الخاضعة للقيود عبر النظام المالي الدولي باستخدام شركات واجهة ووثائق مالية مزورة.
ورفض المصرف هذه الاتهامات منذ البداية، وخاض معركة قضائية طويلة أمام المحاكم الأميركية استمرت عدة سنوات.
قضية رضا زراب ودورها في التحقيقات
ترتبط القضية أيضًا بتاجر الذهب التركي الإيراني رضا زراب، الذي اعتقل في الولايات المتحدة عام 2016، وهو الحدث الذي كشف تفاصيل الشبكة المالية المرتبطة بتجاوز العقوبات المفروضة على إيران.
وبحسب الادعاء الأميركي، كان زراب على صلة وثيقة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وقد أبرم لاحقًا اتفاقًا مع السلطات الأميركية اعترف بموجبه بدوره في الشبكة المالية مقابل التعاون مع التحقيقات.
وخلال المحاكمة التي طالت مسؤولين في المصرف، أدلى زراب بشهادته كشاهد رئيسي في القضية.
إدانة مسؤول مصرفي سابق
في سياق القضية نفسها، حكمت محكمة أميركية في أيار عام 2018 على محمد هاكان أتيلا، وهو مسؤول تنفيذي سابق في المصرف، بالسجن لمدة اثنين وثلاثين شهرًا بعد إدانته بالمشاركة في مخطط لمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الأميركية.
وشكلت تلك الإدانة محطة مهمة في مسار القضية، إذ عززت موقف الادعاء الأميركي بشأن وجود شبكة مالية منظمة للتحايل على القيود المفروضة على طهران.
بنود إضافية في الاتفاق
يتضمن الاتفاق كذلك التزامات إضافية تتعلق بقضايا مرتبطة بتعاملات مالية مرتبطة برضا زراب.
كما يشمل الاتفاق تسوية مسائل قانونية مرتبطة بمكتب مراقبة الأصول الأجنبية في الولايات المتحدة، وهو الجهاز المسؤول عن تطبيق العقوبات الاقتصادية.
وفي المقابل، لا يُلزم الاتفاق المصرف التركي بالاعتراف بارتكاب جريمة جنائية، كما لا يفرض عليه دفع غرامة قضائية مباشرة.
أبعاد سياسية وأمنية للاتفاق
أشار الادعاء الأميركي إلى أن التسوية القضائية تأثرت أيضًا باعتبارات تتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية.
ومن بين هذه العوامل الدور الذي لعبته تركيا في الجهود الدبلوماسية المتعلقة بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، إضافة إلى المساعي الرامية إلى تأمين إطلاق سراح رهائن.
وتشير هذه المعطيات إلى أن القرار لم يكن قانونيًا فحسب، بل جاء أيضًا ضمن سياق أوسع يتداخل فيه الملف القضائي مع الحسابات الجيوسياسية.
انتشار تفاصيل الاتفاق داخل تركيا
رغم أن الاتفاق أُودع رسميًا لدى المحكمة الاتحادية في التاسع من آذار، إلا أنه لم يحظَ باهتمام واسع داخل تركيا إلا بعد أن نشر نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري دنيز يافوزيلماز مقتطفات منه وملخصًا يتضمن أبرز بنوده عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وسرعان ما تناقلت وسائل الإعلام التركية تلك المعلومات، ما أعاد القضية إلى صدارة النقاش السياسي والاقتصادي في البلاد.
قضية شكلت نقطة توتر في العلاقات التركية الأميركية
على مدى سنوات، اعتُبرت قضية خلق بنك واحدة من أبرز الملفات التي ألقت بظلالها على العلاقات بين أنقرة وواشنطن.
فالاتهامات المتعلقة بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الأميركية وضعت الحكومة التركية في مواجهة سياسية وقانونية مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل حساسية الملف بالنسبة للسياسات الغربية تجاه طهران.
ومع التوصل إلى هذا الاتفاق المؤقت، تبدو القضية الآن في مرحلة انتقالية قد تقود إلى تسوية نهائية إذا التزم المصرف بالشروط المفروضة عليه.
خلاصة
توصل مصرف خلق بنك الحكومي التركي إلى اتفاق مع الادعاء الأميركي يقضي بتعليق الملاحقة القضائية مؤقتًا مقابل وقف أي معاملات مالية تفيد إيران والخضوع لرقابة امتثال مستقلة.
ويمثل هذا الاتفاق محطة جديدة في قضية مالية وسياسية معقدة ظلت لسنوات مصدر توتر بين تركيا والولايات المتحدة.

