في تصعيد جديد للأزمة السياسية في تركيا، اتهم رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، الرئيس رجب طيب أردوغان بالسعي إلى إبعاده عن المشهد السياسي من خلال ما وصفه بـ”مؤامرات قضائية”، داعيًا إياه إلى خوض “نزال نزيه” بدلاً من اللجوء إلى الوسائل القضائية.
جاءت هذه التصريحات بعد أن أعدّ الادعاء العام في إسطنبول لائحة اتهام جديدة ضد إمام أوغلو، تطالب بسجنه لمدة تصل إلى أربع سنوات وفرض حظر سياسي عليه، وذلك بسبب انتقاده لخبير قضائي اتُّهم بالتحيز.
استهداف مستمر لرئيس بلدية إسطنبول
يُعتبر إمام أوغلو، الذي ينتمي إلى حزب الشعب الجمهوري المعارض، أحد أبرز الشخصيات السياسية المعارضة في تركيا، إذ تمكن في الانتخابات المحلية لعام 2019 من إنهاء سيطرة حزب العدالة والتنمية الحاكم على إسطنبول، ما جعله هدفًا مستمرًا لإجراءات قضائية متكررة منذ توليه المنصب.
وأكد إمام أوغلو، في سلسلة منشورات على منصة “إكس”، أن هذه اللائحة الجديدة هي الخامسة من نوعها التي قد تؤدي إلى منعه من العمل السياسي، مشيرًا إلى أنه يواجه، في المجمل، تهديدًا بالسجن لأكثر من 25 عامًا نتيجة القضايا المرفوعة ضده.
وفي تعليق مباشر على الأمر، قال إمام أوغلو: “الشخص الذي يحاول إقصائي سياسيًا واضح تمامًا، إنه السيد الرئيس”، متهمًا أردوغان بالسعي إلى عزله عن المشهد عبر القضاء. وأضاف: “أدعو الرئيس إلى التحلي بالنزاهة، فهذه الأمة تحترم الشجعان وأصحاب المبادئ”.
نفي رسمي من الحكومة التركية
في المقابل، نفت الحكومة التركية أي تدخل سياسي في القضايا المرفوعة ضد إمام أوغلو، حيث صرّح الرئيس أردوغان للصحفيين يوم الجمعة الماضي بأنه “غير معني” بأي حظر سياسي يُفرض على أي شخص. من جانبه، رفض رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، فخر الدين ألطون، اتهامات إمام أوغلو، معتبرًا إياها “افتراءً خطيرًا” يهدف إلى “التشويش على سير العدالة”.
تفاصيل القضية الجديدة
تعود أحدث القضايا المرفوعة ضد إمام أوغلو إلى مؤتمر صحفي عقده في يناير الماضي، حيث وجّه انتقادات لاذعة إلى الخبير القضائي سَاطِلْمِش بيويكجانياكِن، متهمًا إياه بأنه تم “اختياره بعناية” لتقديم تقارير تستهدف رؤساء بلديات حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول، بهدف التأثير على الإجراءات القضائية ضدهم. جاءت تصريحاته وسط تصاعد الضغوط القانونية على مسؤولي الحزب، والتي أدت مؤخرًا إلى اعتقال عدد من رؤساء البلديات وعزلهم من مناصبهم.
وبناءً على ذلك، فتح مكتب المدعي العام في إسطنبول تحقيقًا ضد إمام أوغلو، بتهم تشمل “محاولة التأثير على موظف قضائي أو خبير أو شاهد”، و”محاولة التأثير على محاكمة عادلة”.
استهداف إعلامي إلى جانب إمام أوغلو
لم تقتصر الإجراءات القانونية على إمام أوغلو فحسب، بل امتدت إلى الصحافة المعارضة، إذ أُعلن عن توجيه تهم لخمسة صحفيين من قناة “خلق تي في” المعارضة، من بينهم صحفي قيد الاعتقال الاحتياطي، بسبب بثهم مقابلة مع الخبير القضائي بيويكجانياكِن دون إذنه، مما اعتبره الادعاء “كشفًا لهويته بطريقة قد تعرّضه للخطر وتؤثر على سير المحاكمة”.
تهديدات قانونية متزايدة ضد إمام أوغلو
يُذكر أن إمام أوغلو يواجه بالفعل عدة قضايا قضائية، وكان قد صدر بحقه حكم بالسجن لأكثر من عامين في ديسمبر 2022، مع منعه من ممارسة السياسة، وذلك بعد إدانته بـ”إهانة” أعضاء المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا. وإذا أيدت محكمة الاستئناف الحكم، فسيتم منعه رسميًا من الترشح لأي منصب سياسي مستقبلي، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي التركي ويضعف المعارضة في مواجهة أردوغان.
دلالات سياسية وصراع على النفوذ
يرى محللون أن إمام أوغلو يُعدّ المنافس الأكثر احتمالًا لأردوغان في أي انتخابات رئاسية مقبلة، لا سيما في ظل شعبيته الواسعة التي اكتسبها بعد نجاحه في انتزاع إسطنبول من قبضة حزب العدالة والتنمية. وتثير هذه القضايا المتتالية تساؤلات حول استقلالية القضاء في تركيا، إذ تتهم المعارضة الحكومة باستخدامه كأداة لتصفية الحسابات السياسية وإقصاء المنافسين المحتملين.
ومع استمرار التوتر بين المعارضة والسلطة الحاكمة، يظل مصير إمام أوغلو رهن التطورات القانونية، في معركة يبدو أنها ستحدد ملامح المستقبل السياسي لتركيا في السنوات المقبلة.

