من داخل محبسه، أعاد رئيس بلدية إسطنبول الموقوف، أكرم إمام أوغلو، فتح ملف واحد من أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي التركي، موجّهًا انتقادات مباشرة للحكومة بشأن مسار المحادثات المستجدة مع حزب العمال الكردستاني. ورأى أن ما يجري لا يرتقي إلى مستوى عملية سياسية شاملة، بل يظل محكومًا بحسابات السلطة وموازين البقاء في الحكم أكثر من كونه محاولة جدية لمعالجة القضية الكردية المزمنة.
سلام بلا سياسة
في مقال رأي نُشر حديثًا، اعتبر إمام أوغلو أن السلطة الحاكمة تعاملت مع المبادرة الجديدة بالنهج ذاته الذي اعتادت عليه في المحطات المصيرية، وهو نهج التريث والصمت بدل الانفتاح الديمقراطي وبناء توافق وطني واسع. وذهب إلى أن الحكومة أخفقت، حتى في لحظة وصفها بالتاريخية، في جمع المجتمع حول رؤية جامعة، مشددًا على أن الهدف الظاهر ليس الوصول إلى حل مستدام، بل تأمين استمرار النفوذ السياسي.
خلفية المبادرة الجديدة
تأتي هذه المواقف في سياق مسار تفاوضي أُعيد إطلاقه بعد دعوة زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، في خريف 2024، عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل، إلى إعلان وقف العنف. وفي مطلع عام 2025، استجاب أوجلان بإطلاق نداء لإنهاء العمل المسلح، أعقبه إعلان من الحزب عن التخلي عن السلاح وحل تنظيمه.
لاحقًا، شُكّلت لجنة برلمانية تضم أطيافًا سياسية متعددة، كُلفت بصياغة إطار قانوني للعملية، غير أن أعمالها لم تفضِ حتى الآن إلى مقترحات ملموسة تعالج المطالب الكردية الأساسية، وفي مقدمتها الاعتراف الدستوري بالهوية الكردية وحق التعليم باللغة الأم.
ذاكرة الفشل السابق
إمام أوغلو لم يخفِ تشكيكه في فرص نجاح المسار الحالي، مستحضرًا تجربة سابقة انطلقت عام 2013 وانتهت بعد عامين بانهيار كامل، أعقبه تصعيد عسكري واسع بين حزب العمال الكردستاني والقوات المسلحة التركية. هذا الإرث الثقيل، بحسبه، يفرض معالجة سياسية عميقة لا تقتصر على ترتيبات أمنية أو تفاهمات ظرفية.
من السياسة إلى القضاء
في قراءته الأوسع للمشهد، رأى إمام أوغلو أن الحكومة اختارت تكريس الضغط القضائي وتركيز السلطة بدل اللجوء إلى التوافق السياسي، معتبرًا أن هذا النهج عطّل أي إمكانية لإصلاحات ديمقراطية حقيقية. وربط بين هذا المسار وبين قضيته الشخصية، قائلًا إن اللجوء إلى القضاء جاء بعد العجز عن إلحاق الهزيمة به عبر صناديق الاقتراع.
ووصف الإجراءات القضائية التي بدأت بحقه في مارس 2025 بأنها ذات طابع سياسي بحت، هدفها إقصاء المنافسين، لا تحقيق العدالة.
اعتقال يهز الداخل والخارج
كان إمام أوغلو قد أوقف على خلفية تحقيقات تتعلق ببلدية إسطنبول الكبرى، في ملف فساد تقول المعارضة إنه صُمم لتحييد أقوى منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان. وأثار توقيفه، ثم اعتقاله لاحقًا، موجة احتجاجات واسعة داخل البلاد، إلى جانب انتقادات حادة من منظمات حقوقية دولية وحكومات أجنبية.
ويواجه السياسي البالغ من العمر خمسة وخمسين عامًا سلسلة اتهامات تشمل الفساد والرشوة و”التجسس السياسي”، مع مطالبات قضائية بأحكام سجن تراكمية تتجاوز ألفي عام، وفق وثائق المحكمة.
صعود سياسي رغم السجن
برز إمام أوغلو على الساحة الوطنية بعد فوزه المتكرر برئاسة بلدية إسطنبول في ثلاث جولات انتخابية، ملحقًا هزائم متتالية بحلفاء أردوغان في أهم معاقل السلطة الاقتصادية والسياسية. وجاء اعتقاله عقب المكاسب الكبيرة التي حققها حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات المحلية لعام 2024، والتي شكّلت ضربة قوية لمعسكر الحكم.
ورغم وجوده خلف القضبان، اختاره حزبه مرشحًا رئاسيًا في تصويت تمهيدي رمزي شارك فيه أكثر من خمسة عشر مليون شخص، في خطوة عكست حجم رمزيته السياسية.
محطات مفصلية في قراءة إمام أوغلو
في مقاله، استعاد إمام أوغلو لحظات مفصلية في التاريخ السياسي الحديث لتركيا، من احتجاجات حديقة غيزي عام 2013 التي تحولت من اعتصام بيئي محدود إلى حركة احتجاج وطنية واسعة، إلى استفتاء عام 2017 الذي أقر النظام الرئاسي ومنح أردوغان صلاحيات تنفيذية واسعة. وبرأيه، تكشف هذه المحطات نمطًا ثابتًا من تجاهل الرسائل الانتخابية وتهميش المساءلة الديمقراطية لصالح تركيز السلطة.
تحذير من كلفة الخوف
إمام أوغلو حذّر من أن المناخ السياسي الراهن يتسم بسيادة “نظام قائم على الخوف”، أُضعفت فيه المؤسسات القضائية وتآكلت ثقة المواطنين بالعدالة، معتبرًا أن الاضطراب الاقتصادي والتفكك الاجتماعي هما نتيجة مباشرة لهذا النهج.
وأكد أنه غير مردوع باعتقاله، مشددًا على أن تركيا لا يمكن حكمها بالخوف ولا اختزالها في مصالح فرد واحد، وأن التغيير، في نهاية المطاف، سيأتي عبر صناديق الاقتراع، لأن القرار الأخير يبقى بيد الشعب.
أفق سياسي مفتوح
في ظل اقتراب موعد الانتخابات العامة المقررة في 2028، تكتسب مواقف إمام أوغلو أهمية مضاعفة، ليس فقط بوصفها نقدًا لمسار السلام أو إدارة السلطة، بل كجزء من معركة أوسع على مستقبل النظام السياسي وتوازناته الديمقراطية.
الخلاصة
انتقادات إمام أوغلو تكشف تداخلاً معقدًا بين ملف السلام الكردي، وتوظيف القضاء في الصراع السياسي، ومستقبل الديمقراطية في تركيا. ومع استمرار احتجازه، تتحول قضيته إلى رمز لصراع أعمق على السلطة والشرعية والتمثيل الشعبي.

