يرى مراقبون أن إعلان المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون عن تغيّب إسرائيل عن جلسة مجلس الأمن الخاصة بحرب غزة، بحجة تزامنها مع رأس السنة العبرية، جاء ليكشف عن توجه سياسي للهروب من مواجهة الانتقادات الدولية المتصاعدة. فالموعد الذي اعتبره دانون «مؤسفاً» جاء في لحظة حرجة تشهد فيها إسرائيل عزلة متنامية، مع اتساع رقعة الاعترافات الغربية بدولة فلسطين. وعلى الرغم من توجيه دعوة رسمية لإسرائيل للتحدث خلال الجلسة، فضّلت تل أبيب الغياب، فيما يستعد بنيامين نتنياهو لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في محاولة لاحتواء الضغوط المتزايدة.
غزة: التصعيد الميداني يتواصل
الامتناع عن المشاركة في النقاشات الأممية لم يوقف الهجوم الإسرائيلي على غزة. فالمشهد الميداني يشي بتصعيد غير مسبوق، حيث واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها البرية داخل مدينة غزة، وسط مشاهد نزوح جماعي وتصاعد أعمدة الدخان. هذا التصعيد يأتي بدعم أمريكي عسكري وسياسي متواصل، بينما تتفاقم الكارثة الإنسانية التي تعيشها غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
قطر في مرمى الرسائل الإسرائيلية
في موازاة حرب غزة، مثّل الهجوم الإسرائيلي على قطر تطوراً خطيراً، إذ جاء، بحسب قراءة تحليلية للكاتب والمفكر اللبناني رضوان السيد، في مقال له بصحيفة “الشرق الأوسط”، انتقاماً من حركة «حماس». الولايات المتحدة وصفت الضربة بأنها لا تخدم مصالحها ولا مصالح إسرائيل، غير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول تقديمها على أنها «فرصة محتملة للسلام». هذا التناقض بين خطاب البيت الأبيض وسلوك تل أبيب يعكس حجم الاضطراب داخل معادلة التحالف.
الدوحة كانت تتحضر لاستضافة لقاء بين قيادة «حماس» والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، لمناقشة «الصفقة الشاملة» التي طرحتها واشنطن كحل تفاوضي بمرحلة واحدة، بديلاً عن المبادرات التدريجية السابقة. لكن الضربة الإسرائيلية أجهضت اللقاء، لتضع واشنطن في موقف محرج أمام فشل مبادرتها الخاصة.
أجندة إسرائيل: أبعد من غزة
منذ هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، انتقلت إسرائيل ـ بحسب السيد ـ من موقع الدفاع إلى استراتيجية هجومية شاملة، تستهدف إنهاء أذرع إيران، وفرض حل بالقوة على القضية الفلسطينية عبر إبادة غزة والسيطرة على الضفة الغربية والقدس وتفكيك السلطة الفلسطينية. كما تشمل هذه الاستراتيجية زعزعة استقرار سوريا ولبنان والعراق، وصولاً إلى مشروع معلن لتغيير خريطة الشرق الأوسط وإقامة إسرائيل الكبرى.
ورغم أن هذا النهج يعتمد على التفوق العسكري الإسرائيلي، إلا أنه ما كان ليترسخ دون الغطاء الأمريكي. ففي حين طرح ترامب خلال ولايته مشروع توسيع اتفاقيات إبراهيم ليصبح السلام مظلة شاملة تضمن أمن إسرائيل وتعزز السيطرة الأمريكية، فإن تل أبيب سعت لفرض هيمنتها منفردة، رافضة أي تسويات إقليمية تجعلها جزءاً من منظومة أوسع بقيادة واشنطن.
المأزق الأمريكي: صديق أم رهينة؟
الولايات المتحدة تواجه مأزقاً استراتيجياً مع تصاعد السياسات الإسرائيلية. فالحرب على غزة تحولت إلى صراع بلا نهاية، والاختراقات المتكررة في سوريا تثير تحفظات واشنطن، أما الضربة الموجهة إلى قطر ـ الحليف الحيوي في الخليج ـ فقد تخطت الخطوط الحمراء. ترامب وجد نفسه مضطراً لتقديم اعتذار رسمي للدوحة، واصفاً قطر بالحليف القوي والصديق المقرّب، ولافتاً إلى أن الهجوم وقع «فيها» لا «عليها»، وهي صياغة دبلوماسية حملت دلالة على محاولة احتواء الغضب.
المواقف العربية والأوروبية
إزاء هذا المشهد، تحركت عواصم عربية بقيادة السعودية لإحياء مبادرة حل الدولتين، بالتنسيق مع فرنسا ودول أوروبية كبرى. الإمارات بدورها أعلنت رفضها القاطع لأي محاولة لضم أغلب أراضي الضفة، محذرة من عواقب وخيمة. وفي أوروبا، شهدت المواقف تحولات ملموسة مع تنامي الاعتراف بدولة فلسطين وصدور بيانات أكثر انتقاداً لسياسات إسرائيل.
صورة إسرائيل: بين الداخل والخارج
رغم محاولات إسرائيل تسويق مبرراتها الأمنية، فإن غيابها عن مجلس الأمن بحجة دينية يعكس تراجع قدرتها على مواجهة النقد الدولي. وتوسيعها لساحات التصعيد حتى لتطال قطر، يضع واشنطن أمام مأزق استراتيجي غير مسبوق. ومع استمرار الحرب في غزة ورفض إسرائيل لأي تسوية سياسية، يزداد الضغط الدولي على الولايات المتحدة لإعادة النظر في دعمها غير المشروط.

