شهد محيط البرلمان التركي في أنقرة، صباح الثلاثاء، حادثة مثيرة للجدل بعد أن أضرم رجل النار في سيارة من طراز رينو توروس بيضاء أمام البوابة الرئيسية للمبنى، في واقعة أحيت الذاكرة الجماعية لسنوات الصراع الدموي والانتهاكات التي ارتبطت بهذا الطراز خلال التسعينيات.
الحادث تزامن مع جلسة برلمانية مخصصة لمناقشة تداعيات النزاع مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، ما أضفى على المشهد دلالات سياسية ورمزية لافتة.
تفاصيل الحادثة وإجراءات السلطات
اندلعت النيران في السيارة صباحًا وتمكنت قوات الشرطة ورجال الإطفاء من السيطرة عليها بسرعة دون تسجيل أي إصابات. السلطات أعلنت توقيف المشتبه به، الذي عُرف بالأحرف الأولى من اسمه م. إ. ف.، وهو تاجر خردة من مدينة مرسين الجنوبية، وله سوابق أمنية ومشكلات نفسية مسجلة.
وزارة الداخلية أوضحت أن دوافع الفعل تتصل بـ برنامج حكومي لتحفيز التخلص من السيارات القديمة، حيث كان الرجل يعتقد أنه سيحصل على إعفاء ضريبي لم يتحقق. كما تبين أنه نفذ فعلًا مشابهًا عام 2018 حين أحرق سيارة أمام محكمة.
رمزية “التوروس البيضاء” في الذاكرة التركية
رغم تأكيد السلطات على الدوافع الشخصية، إلا أن اختيار طراز السيارة جعل الحادث يتخذ أبعادًا سياسية ورمزية قوية.
رينو توروس، التي صُنعت محليًا حتى عام 2000، ارتبطت في الوعي التركي بملف الاختفاءات القسرية والاغتيالات الغامضة خلال النزاع بين الدولة وحزب العمال الكردستاني في تسعينيات القرن الماضي.
منظمات حقوقية وثّقت مئات حالات الاختطاف والقتل غير المحسوم في جنوب شرق تركيا ذي الأغلبية الكردية، حيث شهد شهود عيان مرارًا إجبار الضحايا على الصعود إلى سيارات توروس بيضاء.
هذا الطراز ارتبط على نحو مباشر بجهاز الاستخبارات في الدرك المعروف باسم جيتيم (JİTEM) المتهم بقيادة فرق شبه عسكرية مارست أساليب حرب غير قانونية ضد المدنيين الأكراد.
تقاطع الحادث مع أجندة البرلمان
المفارقة أن الحادث وقع تزامنًا مع انعقاد جلسة لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية في البرلمان، التي تبحث سبل معالجة آثار الصراع الممتد مع حزب العمال الكردستاني.
استمعت الجلسة إلى شهادات من جمعيات المحاربين القدامى وعائلات الجنود القتلى، إضافة إلى مجموعة “أمهات ديار بكر“ اللواتي يتهمن الحزب بتجنيد أطفالهن.
ومن المقرر أن تستمع اللجنة أيضًا إلى “أمهات السبت“، وهن مجموعة تطالب بكشف مصير المختفين قسرًا في التسعينيات، إلى جانب منظمات سلام وحقوق إنسان.
جلسات اللجنة تأتي بعد إعلان حزب العمال الكردستاني في تموز/يوليو استعداده للشروع في التخلي عن السلاح استجابة لنداء زعيمه المعتقل عبد الله أوجلان، ما دفع البرلمان لتشكيل هذه اللجنة لمناقشة آفاق الحل والمصالحة.
جدل حول الدلالات السياسية
فيما أصرت السلطات على أن الحادثة ناجمة عن دافع شخصي بعيد عن السياسة، أثار المشهد موجة تكهنات واسعة. مراقبون رأوا أن إشعال سيارة توروس بيضاء أمام البرلمان في يوم حساس سياسيًا لا يمكن فصله عن الرمزية التاريخية المرتبطة بالانتهاكات ضد الأكراد. واعتبر بعض المحللين أن الحادث قد يُقرأ كـرسالة رمزية إلى الحكومة من أطراف رافضة لمسار المصالحة مع حزب العمال الكردستاني.
صراع داخلي بين التحالف الحاكم
من جانبه، اعتبر الصحفي والمحلل التركي المخضرم ممدوح بايرقدار أوغلو، في لقاء مشترك مع الصحفي الآخر فريد آتاي عبر موقع يوتيوب، أن حادثة إحراق “التوروس البيضاء” ليست مجرد فعل فردي، بل تمثل “تجليًا رمزيًا للصراع المتنامي بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية”، مؤكدا أن الزعيم القومي مصمم على وضع نهاية النقطة لنظام أردوغان بشكل تدريجي بعدما جعل نفسه شرطا أساسيا لبقاء هذا النظام.
وفي السياق نفسه، أشار الشخفي فريد آتاي إلى أن قلق الرئيس رجب طيب أردوغان يتزايد على خلفية معطيات عدة، أبرزها تقارب محتمل بين بهجلي والمعارضة، وانتقاداته المتكررة لبعض العمليات القضائية، إضافة إلى احتمالية أن يطالب زعيم الحركة القومية بانتخابات مبكرة إذا شعر أن مشروعه المعروف بـ”تركيا بلا إرهاب” يتعرض للتقويض من جانب شريكه في الحكم.
رسالة إلى بهجلي!
آتاي استغرب أيضًا من تصريحات وزير الداخلية التي وصفت منفذ العملية بأنه “مختل عقليًا”، معتبرًا أن هذا التوصيف يتناقض مع رمزية الفعل ودلالاته السياسية. ولفت الانتباه إلى أن منفذ الحادث كان يرتدي قميصًا يحمل صورة الزعيم الراحل “محسن يازجي أوغلو”، رئيس حزب الاتحاد الكبير، الذي قُتل عام 2009 في حادث سقوط مروحية لا تزال ملابساته محل جدل واسع.
وفي تعليق لافت، قال آتاي: “هنا تبدو الرسالة موجهة إلى بهجلي نفسه. فكما أُبعد محسن يازجي أوغلو، الذي كان يُنظر إليه كتهديد محتمل للنظام الذي كان أردوغان يرغب في تأسيسه، قد يتكرر المشهد اليوم إذا ما قرر بهجلي كسر التحالف مع أردوغان والسعي إلى إسقاط النظام الحالي. الرسالة واضحة: مصير مشابه قد يواجهه”، على حد قوله.

