في تطور يعكس تسارع التقارب التركي–السوري، وصل وفد تركي رفيع إلى العاصمة دمشق لإجراء محادثات مباشرة مع الرئيس السوري أحمد الشرع. الزيارة، التي ضمّت وزير الخارجية هاكان فيدان ووزير الدفاع يشار غولر، جاءت في إطار مراجعة شاملة لمسار العلاقات الثنائية بعد التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها سوريا عقب إسقاط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي.
تقييم شامل للعلاقات الثنائية
بحسب المعطيات الرسمية، تهدف المحادثات إلى إجراء تقييم عام لمستوى التعاون بين البلدين، في ظل انتقال العلاقات من مرحلة الحذر إلى التنسيق العملي. ويُنظر إلى الزيارة باعتبارها خطوة مؤسِّسة لإعادة ترتيب الملفات العالقة، سواء على المستوى الأمني أو السياسي، على ضوء الوقائع الجديدة داخل سوريا.
اتفاق دمشق – «قسد» في صدارة النقاش
أحد المحاور الأساسية للمباحثات يتمثل في متابعة تنفيذ الاتفاق الموقع في العاشر من مارس بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، والذي ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية قبل نهاية العام. غير أن تباينات قائمة بين الطرفين ما تزال تعرقل التطبيق العملي لبنود الاتفاق، ما دفع أنقرة إلى رفع مستوى الضغط السياسي.
تحذيرات تركية ونفاد الصبر
في هذا السياق، كان وزير الخارجية التركي قد وجّه مؤخرًا تحذيرًا مباشرًا لقوات سوريا الديمقراطية، مشيرًا إلى أن صبر الأطراف الفاعلة آخذ في النفاد، وداعيًا إلى تسريع خطوات الدمج وعدم المماطلة. وتأتي هذه التصريحات في ظل سيطرة «قسد» على مناطق واسعة من شمال شرقي سوريا الغني بالموارد النفطية، ما يجعل الملف بالغ الحساسية إقليميًا.
الهواجس الأمنية جنوبًا
المحادثات لم تقتصر على الشمال السوري، إذ تعتزم أنقرة إثارة ما تعتبره مخاطر أمنية متصاعدة في جنوب سوريا نتيجة الضربات الإسرائيلية المتكررة. وترى تركيا أن هذه التطورات قد تُخلّ بتوازنات هشة، وتفتح المجال أمام مزيد من الفوضى في بلد لم يخرج بعد من تداعيات الحرب الطويلة.
سوريا والتحالف الدولي ضد «داعش»
ملف مكافحة تنظيم «داعش» شكّل بدوره محورًا رئيسيًا في اللقاءات. فدمشق تبحث انخراطًا رسميًا أوسع ضمن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، في وقت كثّفت فيه القوات الأميركية ضرباتها الجوية، مستهدفة عشرات المواقع للتنظيم داخل الأراضي السورية، عقب هجوم دموي استهدف جنودًا أميركيين في تدمر.
تنسيق لمنع عودة التنظيم
ترى أنقرة أن التعاون مع دمشق يهدف بالأساس إلى منع إعادة تموضع تنظيم «داعش»، الذي يسعى لاستغلال الهشاشة الأمنية في بعض المناطق السورية، لا سيما في البادية الشاسعة. ورغم هزيمته ميدانيًا قبل سنوات، لا يزال التنظيم يحتفظ بقدرات محدودة تسمح له بتنفيذ هجمات متفرقة.
الجغرافيا والذاكرة العسكرية
التقارب الحالي لا ينفصل عن الواقع الجغرافي، إذ تمتد الحدود بين تركيا وسوريا لمسافة تقارب تسعمئة كيلومتر. وخلال السنوات الماضية، نفذت أنقرة عمليات عسكرية واسعة داخل الأراضي السورية استهدفت تنظيم «داعش» والفصائل الكردية المسلحة، ما يجعل أي تنسيق أمني جديد محمّلًا بإرث ثقيل من المواجهات السابقة.

