تشهد الساحة السياسية في تركيا حراكاً لافتاً في إطار مساعٍ لإعادة تفعيل مسار “الحل السلمي” مع حزب العمال الكردستاني، بعد سنوات من الجمود والتصعيد العسكري.
في هذا السياق، كشفت تقارير دولية أن الحكومة التركية تستعد لإطلاق مبادرة قانونية تسمح بعودة آلاف من عناصر الحزب إلى البلاد، ضمن خطة متعددة المراحل لا تُعتبر “عفواً عاماً” بالمعنى القانوني، لكنها تمهد لمصالحة تدريجية مشروطة.
مضمون المبادرة: عودة مشروطة لا تشمل القيادات
بحسب نشرته وكالة رويترز، تعمل الحكومة التركية على إعداد تشريع يسمح بعودة نحو تسعة آلاف من عناصر حزب العمال الكردستاني إلى تركيا. الخطة تنقسم إلى مرحلتين، حيث تتضمن المرحلة الأولى السماح بعودة نحو ألف عنصر لم يتورطوا في أعمال مسلحة، فيما تشمل المرحلة الثانية عودة ما يقارب ثمانية آلاف آخرين، بناءً على مراجعات فردية ستجريها السلطات المعنية.
وفي المقابل، لن يُسمح لما يقارب الألف من القيادات المتوسطة والعليا في الحزب بالعودة إلى تركيا، إذ يجري بحث خيار نقلهم إلى دول ثالثة توصف بأنها “محايدة”، مثل النرويج أو جنوب أفريقيا، ضمن ترتيبات سياسية وأمنية غير معلنة.
الإطار القانوني: بين “الندم الفعّال” ونفي العفو العام
الحكومة التركية، من جانبها، تحرص على نفي الطابع “الشمولي” لهذا الإجراء، مؤكدة أنه لا يدخل في نطاق “العفو العام” الذي يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً داخل البرلمان.وبدلاً من ذلك، يُرتقب أن تستند المبادرة إلى المادة (221) من قانون العقوبات التركي، المعروفة باسم “الندم الفعّال”، والتي تتيح إسقاط العقوبة عن الأفراد الذين ينسحبون طوعاً من التنظيم المسلح ولم يشاركوا في جرائم أو هجمات مباشرة. هذا الإطار القانوني يُعتبر من أدوات “الاحتواء الفردي” التي استخدمتها الحكومات السابقة في فترات الانفتاح السياسي.
موقف الحزب الكردي: نحو إدماج شامل
من جانب آخر، أكد حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، المعروف بمواقفه المؤيدة للحل السلمي، أن هناك مساعي لوضع “قانون خاص” يتيح دمج أعضاء الحزب السابقين والمقاتلين المنشقين ضمن الحياة المدنية والاجتماعية.
نائب الرئيس المشارك للحزب، طيب تمل، أوضح أن المشروع الجديد ينبغي أن يشمل جميع العائدين من صفوف الحزب، سواء كانوا مدنيين أو مقاتلين، من أجل فتح باب “الاندماج الديمقراطي الكامل”.
لكن مصادر أخرى داخل الحزب أشارت إلى وجود خلافات داخلية حول آليات التنفيذ، حيث ترجّح بعض الأصوات تبني “إجراءات مختلفة” لكل فئة، بما في ذلك إخضاع بعض العائدين لتحقيقات قضائية أو محاكمات رمزية في إطار العدالة الانتقالية.
خلفية الصراع: من نداء أوجلان إلى الانسحاب الميداني
تأتي هذه التطورات في ظل تحول لافت داخل بنية الحزب نفسه، بعد إعلان قيادته في مايو الماضي إنهاء “الوجود التنظيمي المسلح” استجابة لدعوة زعيمه عبد الله أوجلان، القابع في السجن منذ عام 1999.
وفي يوليو، أقيمت مراسم رمزية لإعلان “وقف نهائي للعمليات القتالية”، تبعها انسحاب تدريجي لعناصر الحزب من الأراضي التركية نحو شمال العراق.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن معظم مقاتلي الحزب من حملة الجنسية التركية، ويتمركزون حالياً داخل الأراضي العراقية، فيما يحتفظ الحزب بوجود محدود في مناطق الشمال السوري.
أبعاد سياسية وأمنية
يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها محاولة من الحكومة التركية لتخفيف التوترات في الملف الكردي، خاصة في ظل دعوات المعارضة إلى “حل سياسي دائم” يضمن الاستقرار في الداخل. كما تأتي في لحظة سياسية حساسة تتزامن مع التحديات الاقتصادية المتفاقمة والضغوط الدولية بشأن حقوق الإنسان.
ورغم أن مسار “العودة المشروطة” لا يحمل طابع المصالحة الوطنية الكاملة، إلا أنه يشير إلى انفتاح تدريجي قد يُعيد الحياة إلى مسار “العملية السياسية” التي توقفت عام 2015 بعد انهيار وقف إطلاق النار بين الجانبين.

