في خطوة تحمل دلالات سياسية وإقليمية لافتة، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن دمج القوى الكردية السورية ضمن مؤسسات الدولة في دمشق سيسهم في تسريع عملية إعادة الإعمار وتعزيز وحدة البلاد.
التصريحات التي صدرت عن مكتب الرئاسة التركية، الثلاثاء، عكست تحولاً واضحاً في خطاب أنقرة تجاه الملف الكردي السوري، في ظل تطورات ميدانية وسياسية متسارعة تشهدها الساحة السورية.
خلفية: اتفاق لم يُنفّذ بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق
تأتي تصريحات أردوغان بعد أشهر من توقيع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تسيطر على مناطق واسعة من شمال شرق سوريا الغنية بالنفط، اتفاقاً مع السلطات السورية الجديدة يقضي بدمج مؤسساتها المدنية والعسكرية ضمن هيكل الدولة. غير أن الاتفاق، الذي أُبرم في مارس، لم يجد طريقه إلى التنفيذ الفعلي، بسبب خلافات تتعلق بتوزيع الصلاحيات وضمانات التمثيل المحلي في مؤسسات الحكم.
تطورات ميدانية: هدنة شاملة ومحادثات مباشرة
الأسبوع الماضي، أعلنت دمشق عن وقف شامل لإطلاق النار مع القوات الكردية عقب مفاوضات بين الرئيس السوري أحمد الشرع والقائد العام لقوات “قسد” مظلوم عبدي، جاءت بعد اشتباكات دامية في مدينة حلب الشمالية. وفي حوار مع وكالة الأنباء الفرنسية، أوضح عبدي أنه توصّل إلى “اتفاق مبدئي” مع الحكومة السورية لدمج قواته ضمن الجيش والأجهزة الأمنية الرسمية، في خطوة اعتبرها مراقبون بداية مسار نحو تسوية سياسية داخلية أكثر شمولاً.
موقف أنقرة: دعم مشروط بالاستقرار الإقليمي
من جانبه، عبّر أردوغان عن دعمه لهذه الجهود، مشيراً إلى أن الإسراع في تنفيذ عملية الدمج سيعجّل في دفع عجلة التنمية داخل سوريا، وسيُسهم في استقرارها السياسي والاجتماعي. وقال الرئيس التركي، خلال عودته من قمة عُقدت في مصر، إن “دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن بنية الدولة السورية سيسرّع جهود التنمية ويعزز وحدة البلاد”، مضيفاً أن بلاده “تُثني على رؤية الحكومة السورية التي تسعى لاحتضان جميع المكونات العرقية والدينية“.
وشدد أردوغان على أن “هذه الخطوة تخدم مصلحة كلٍّ من سوريا وتركيا”، في إشارة إلى الرغبة التركية في إنهاء حالة التوتر المزمن على حدودها الجنوبية.
السياق الإقليمي: من المواجهة إلى التنسيق
وفقا للمحللين، تأتي هذه التصريحات في وقت كانت فيه العلاقات التركية-السورية قد شهدت تحولات جذرية. فبين عامي 2016 و2019، شنّت أنقرة ثلاث عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية استهدفت مواقع تابعة للمقاتلين الأكراد، الذين يشكلون العمود الفقري لقوات “قسد”، إلى جانب تنظيم “داعش”. أما اليوم، فتبدو تركيا أقرب إلى تبني سياسة “التطبيع المشروط”، القائمة على احتواء النفوذ الكردي عبر مؤسسات الدولة السورية بدلاً من مواجهته ميدانياً.
ويُقرأ الموقف التركي في ضوء تقاربها الأخير مع دمشق بعد وساطة مصرية-روسية، ومساعيها لإعادة بناء نفوذها الإقليمي في ظل التحولات التي تشهدها خريطة التحالفات في الشرق الأوسط.
مصالح متقاطعة وحذر استراتيجي
يرى مراقبون أن أنقرة تسعى عبر دعمها لدمج الأكراد السوريين إلى تحقيق توازن دقيق بين هواجسها الأمنية ورغبتها في استقرار حدودها الجنوبية. فبينما تراهن على أن الدمج سيُضعف النزعات الانفصالية، تراهن دمشق على استعادة السيطرة التدريجية على الشمال الشرقي دون مواجهة مباشرة. وفي هذا المشهد، يجد الأكراد أنفسهم أمام اختبار صعب بين الحفاظ على مكتسباتهم المحلية والانخراط في بنية دولة مركزية طالما كانت مصدر خلاف تاريخي.

