دخلت تركيا على خطّ الأزمة الإقليمية المتصاعدة عقب مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في ضربات أميركية–إسرائيلية استهدفت مواقع داخل إيران، في تطور اعتُبر الأخطر في مسار المواجهة بين طهران وتل أبيب. وبينما تتسارع التفاعلات العسكرية والسياسية في المنطقة، اختارت أنقرة لغة مزدوجة تجمع بين التعزية الرسمية والدعوة إلى احتواء التصعيد.
موقف رسمي حذر: التعزية دون الاصطفاف
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن أنه “حزين” لوفاة خامنئي، مقدماً تعازي تركيا للشعب الإيراني، في رسالة نُشرت عبر منصة إكس. التصريح جاء بصيغة إنسانية–دبلوماسية، تجنّبت تحميل المسؤولية المباشرة لأي طرف، رغم وضوح أن الضربات التي أودت بحياة المرشد نُفذت من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل بهدف تقويض القدرات العسكرية الإيرانية والضغط على القيادة في طهران.
هذا التوازن في الخطاب يعكس إدراكاً تركياً لحساسية اللحظة. فأنقرة ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع إيران، وتشترك معها في حدود طويلة ومصالح أمنية متداخلة في ملفات العراق وسوريا والطاقة. في الوقت ذاته، تحرص تركيا على تجنّب قطيعة مع الغرب، ولا سيما في ظل عضويتها في حلف شمال الأطلسي وتشابكها الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
الاغتيال وتداعياته: ضربة رأس أم إعادة تموضع؟
إعلان وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية وفاة خامنئي أكد أن الضربات أصابت قلب النظام السياسي الإيراني. غير أن التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية تشير إلى أن بنية النظام، القائمة على تعددية مراكز القوة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري ومجلس الخبراء، قد تمكّنه من امتصاص الصدمة على مستوى الاستمرارية المؤسسية، حتى لو كانت التداعيات السياسية عميقة.
الولايات المتحدة وإسرائيل بررتا العملية باعتبارها خطوة تستهدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية والضغط على القيادة في طهران. غير أن الرد الإيراني اللاحق، عبر هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة، وسّع نطاق المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الضربة الأصلية.
تركيا بين الجغرافيا والسياسة: حسابات الأمن والاقتصاد
تركيا، بحكم حدودها المباشرة مع إيران، ليست مراقباً بعيداً عن التطورات. أي تصعيد واسع قد ينعكس على أمن الحدود، وحركة التجارة، وإمدادات الطاقة، فضلاً عن احتمالات موجات نزوح جديدة إذا تدهور الوضع الداخلي الإيراني.
أنقرة دعت إلى تغليب المسار الدبلوماسي، وأجرت اتصالات مع أطراف إقليمية لبحث احتواء الأزمة. هذا التحرك ينسجم مع تقليد تركي في إدارة الأزمات الإقليمية عبر مزيج من الوساطة والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، حتى في ذروة التوتر.
اقتصادياً، أي اضطراب في أسواق الطاقة أو في طرق النقل الإقليمي سيؤثر مباشرة على تركيا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد النفط والغاز. كما أن تراجع الاستقرار في الجوار الشرقي قد يضغط على الليرة التركية ويزيد من تعقيدات المشهد الاقتصادي الداخلي.
المخاوف من اتساع رقعة المواجهة
الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، وما رافقها من استهداف مواقع عسكرية وحيوية، رفعت مستوى القلق من “تسرب إقليمي” للأزمة. هذا السيناريو قد يشمل أطرافاً غير مباشرة أو ساحات أخرى، ما يجعل حدود الصراع غير واضحة.
تركيا، التي سعت خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة تطبيع علاقاتها مع عدد من العواصم الإقليمية، تدرك أن انفجاراً واسعاً سيقوّض مكاسب دبلوماسية واقتصادية تحققت بصعوبة. لذلك تبدو دعوتها إلى التهدئة تعبيراً عن مصلحة استراتيجية مباشرة، لا مجرد موقف مبدئي.
معادلة دقيقة: بين التعاطف والسياسة الواقعية
إعراب أردوغان عن الحزن لا يعني بالضرورة تبنّي موقف تصعيدي ضد واشنطن أو تل أبيب. بل يمكن قراءته في إطار خطاب دبلوماسي يحافظ على جسور التواصل مع طهران، ويبعث برسالة داخلية للرأي العام التركي الذي يتابع بقلق تطورات الجوار.
في المقابل، ستسعى أنقرة إلى تفادي أي انخراط مباشر في صراع مفتوح، مع إبقاء هامش مناورة يسمح لها بلعب دور وسيط إذا ما توفرت فرصة سياسية لذلك. قدرة تركيا على أداء هذا الدور ستتوقف على مدى تصاعد المواجهة، وعلى موقف القوى الكبرى من أي مبادرة وساطة.
خلاصة
مقتل علي خامنئي شكّل لحظة مفصلية في التوازنات الإقليمية، وفتح الباب أمام مرحلة أكثر هشاشة في الشرق الأوسط. تركيا اختارت خطاب التعزية والدعوة إلى الدبلوماسية، في محاولة لحماية مصالحها وتجنب الانجرار إلى صراع قد يتجاوز حدود السيطرة.
أنقرة تمشي على حبل دقيق بين التضامن الدبلوماسي مع طهران والحفاظ على علاقاتها الغربية. اتساع المواجهة سيجعل موقع تركيا أكثر حساسية، ويختبر قدرتها على لعب دور توازني في أزمة إقليمية مفتوحة.

