في خطوة تُعدّ تحولًا سياسيًا لافتًا في مسار العلاقات الدفاعية بين أنقرة وبرلين، أعلنت الحكومة الألمانية موافقتها على بدء مفاوضات رسمية مع تركيا بشأن صفقة محتملة لبيع مقاتلات «يوروفايتر تايفون».
القرار الذي جاء قبل أيام من زيارة وزير الخارجية الألماني يوهان فاديبول إلى أنقرة، يُمثّل تجاوزًا لعقبة سياسية طالما حالت دون تقدم المباحثات، إذ كانت برلين تتجنب لسنوات الموافقة على صادرات الأسلحة المتقدمة إلى تركيا، بدعوى مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان والتوجهات السياسية لأنقرة.
ورغم أن الموافقة لا تعني توقيع عقد فعلي أو منح ترخيص للتصدير، فإنها تفتح الباب أمام مفاوضات تفصيلية تشمل الأسعار وجدول التسليم وضمانات الاستخدام النهائي، بمشاركة الدول الأربع الشريكة في برنامج «يوروفايتر» وهي ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، إلى جانب الشركات المصنعة.
خلفية الصفقة: طموح تركي لتعويض فجوة القوة الجوية
تأتي الخطوة الألمانية في سياق سعي تركيا المتواصل لإعادة بناء قدراتها الجوية بعد إقصائها من برنامج المقاتلة الأميركية «إف-35» عام 2019، على خلفية شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400».
هذا الإقصاء ترك فجوة واضحة في توازن سلاح الجو التركي، دفعت أنقرة إلى البحث عن بدائل متعددة المسارات، تجمع بين الشراء الخارجي وتطوير القدرات المحلية.
إلى جانب مفاوضاتها الجارية مع الولايات المتحدة لشراء حزمة محدودة من طائرات «إف-16» وتحديث الأسطول الحالي، تمضي تركيا في اختبار النماذج الأولية لمقاتلتها المحلية «قآن»، التي تُصنف ضمن الجيل الخامس، ويُتوقع أن تدخل الخدمة الفعلية في أواخر العقد الجاري أو مطلع العقد المقبل. وفي هذا الإطار، تمثل مقاتلات «يوروفايتر» حلاً انتقالياً واستراتيجياً لتغطية الفراغ القتالي حتى اكتمال المشروع الوطني.
التحالف الصناعي الأوروبي وأهمية الموافقة الألمانية
مقاتلة «يوروفايتر تايفون» تُعد ثمرة تعاون صناعي أوروبي تقوده شركات «إيرباص» و«بي إيه إي سيستمز» و«ليوناردو»، وتخضع أي صفقة تصدير لموافقة جماعية من الدول الأربع الشريكة.
وقد كانت ألمانيا في السنوات الماضية العقبة الأبرز أمام تسويق الطائرة لتركيا، بسبب تحفظات سياسية تتعلق بالتوترات الإقليمية في شرق المتوسط، وبعلاقات أنقرة مع الاتحاد الأوروبي.
لكنّ التغيير الأخير في الموقف يعكس، بحسب مراقبين، إدراكًا أوروبيًا بأن عزل تركيا عسكريًا لم يعد ممكنًا في ظل تصاعد التحديات الأمنية المشتركة في الناتو، وخصوصًا في البحر الأسود والشرق الأوسط.
الموقف الألماني الجديد تزامن مع توقيع بريطانيا مذكرة تفاهم أولية مع تركيا منتصف العام الجاري، لتمهيد الطريق نحو صفقة تشمل أربعين مقاتلة. وبموافقة برلين، أُزيلت العقبة الأكبر أمام بدء المفاوضات الرسمية.
ردود أوروبية وتحفظات يونانية
في المقابل، أثار التحرك الألماني حذرًا واضحًا في اليونان، التي تتابع بقلق أي تعزيز تركي في القوة الجوية الإقليمية. وزير الخارجية الألماني فاديبول أشار في تصريحات صحفية إلى أن المخاوف اليونانية «مفهومة»، لكنه أكد أن استخدام هذه الطائرات ضد أي عضو في الناتو أو الاتحاد الأوروبي «أمر غير قابل للتصور». وأوضح أن المقاتلات جزء من منظومة دفاعية تابعة للحلف الأطلسي، هدفها تعزيز الأمن الجماعي الأوروبي، وليس خلق توازنات هجومية جديدة.
زيارة فاديبول إلى أنقرة: بين الدفاع والسياسة الإقليمية
من المقرر أن يلتقي وزير الخارجية الألماني نظيره التركي هاكان فيدان في أنقرة لمناقشة ملف المقاتلات ضمن أجندة أوسع تشمل الأمن الإقليمي والملف الإنساني في غزة.
هذه الزيارة تُعدّ اختبارًا للعلاقات الثنائية التي عرفت توترات متكررة في السنوات الماضية، خاصة بعد أن خفّضت ألمانيا مستوى صادراتها الدفاعية إلى تركيا عقب عملياتها العسكرية في شمال سوريا.
ويُتوقع أن يشكّل ملف التعاون الدفاعي الجديد مدخلًا لإعادة بناء الثقة التدريجية بين البلدين، ضمن سياسة أوروبية تميل إلى إعادة إشراك تركيا في منظومة الأمن المشترك بدل عزلها.
دلالات استراتيجية أوسع: تركيا بين الشرق والغرب
توازن أنقرة بين مساعيها لتعزيز استقلالها الدفاعي وبين انفتاحها على الشركاء الغربيين في الناتو.
ففي الوقت الذي تختبر فيه مقاتلتها المحلية المتطورة «قآن» وتسعى لتنويع مصادر تسليحها، تدرك القيادة التركية أن التكنولوجيا الغربية لا تزال أساسية للحفاظ على تفوقها الجوي.
وعلى الجانب الأوروبي، فإن إدماج تركيا في منظومة التسليح الغربية يُعد وسيلة لاحتواء التقارب التركي – الروسي الذي تصاعد منذ صفقة «إس-400»، وإعادة أنقرة إلى مسار التنسيق الأطلسي.

