بينما ينشغل العالم بتداعيات ما كُشف حديثًا في «ملفات إبستين» وما أعادته إلى الواجهة من أسئلة حول السلطة والفساد ودور الصحافة الاستقصائية، مرّ حدث آخر في واشنطن بهدوء لافت، رغم خطورته العميقة على مستقبل الإعلام.
صحيفة «واشنطن بوست»، إحدى أكثر المؤسسات الصحفية احترامًا وتأثيرًا عالميًا، أقدمت على خطوة غير مسبوقة بتسريح ما يقارب ثلث غرفة أخبارها، وإنهاء عمل أكثر من ثلاثمئة صحفي، وإغلاق مكاتب خارجية، وإلغاء أقسام كاملة من بينها القسم الرياضي.
برأي الكاتب الصحفي التركي آدم ياوز أرسلان، لا يمكن توصيف ما يجري بأنه مجرد «إعادة هيكلة» أو «تقليص نفقات»، بل هو مؤشر على نهاية نموذج إعلامي كامل، تزامنه وحده كافٍ لإثارة القلق.
مفارقة التوقيت… حين يتراجع التحقيق في لحظة الحاجة إليه
يرى أرسلان أن التوقيت يحمل مفارقة صارخة؛ ففي اللحظة التي تؤكد فيها تسريبات إبستين أهمية الصحافة المستقلة والمثابِرة في كشف شبكات النفوذ العابرة للحدود، تنسحب واحدة من أبرز قلاع هذا النوع من الصحافة من الميدان. صحيفة رفعت لسنوات شعار «الديمقراطية تموت في الظلام» تجد نفسها اليوم جزءًا من مشهد يتقلص فيه الضوء، لا على الديمقراطية وحدها، بل على الإعلام الذي يفترض به حمايتها.
أكثر من صحيفة… نظام إعلامي يتآكل
من وجهة نظر الكاتب، تسريح هذا العدد الكبير من الصحفيين لا يعني تراجع مؤسسة واحدة، بل انكماش منظومة إعلامية كاملة. «واشنطن بوست» كانت لعقود رمزًا لقدرة الصحافة الأميركية على تصحيح المسار الديمقراطي، من ووترغيت إلى أوراق البنتاغون. أما اليوم، فإغلاق المكاتب الخارجية، والاستغناء عن المصورين، وإلغاء ملاحق الثقافة والكتب والرياضة، يشير إلى تحوّل جذري نحو صحيفة أقل حضورًا ميدانيًا وأكثر انحصارًا في السياسة الداخلية والاقتصاد والتكنولوجيا.
الرسالة، كما يراها أرسلان، واضحة: زمن الصحيفة الشاملة، العالمية، الموجودة على الأرض، يقترب من نهايته.
لماذا تظل واشنطن مركزًا لا يمكن الاستغناء عنه؟
يشدد الكاتب على أن واشنطن ليست مدينة عادية؛ فالصحافة فيها لطالما كانت معنية بالسلطة لا بالمحليات، من الحكومة والاستخبارات إلى جماعات الضغط والصراعات الدولية. إغلاق مكاتب في برلين وكييف والقاهرة ونيودلهي لا يضعف مؤسسة بعينها فحسب، بل يضيق زاوية الرؤية أمام الجمهور الأميركي نفسه.
ويضيف أن تسريح مراسلي الحروب أو إنهاء التصوير الصحفي في زمن النزاعات لا يمكن تبريره فقط باعتبارات الكلفة، بل يعكس إعادة تعريف للخبر نفسه: الميدان مكلف وخطِر، بينما التجميع من المكاتب أقل كلفة وأكثر أمانًا.
المال ليس القصة الكاملة
صحيح، كما يشير أرسلان، أن الصحيفة تكبدت خسائر كبيرة، وأن الاشتراكات تراجعت بعد قرارات تحريرية نفّرت جزءًا من القراء، لكن وجود الصحيفة تحت ملكية أحد أغنى رجال العالم يجعل من الصعب اختزال الأزمة في الحسابات المالية وحدها. فالأرقام لا تفسر وحدها هذا الانسحاب العميق من الصحافة الميدانية.
أثر حقبة ترامب… سياق لا يمكن تجاهله
يربط أرسلان هذا التحول بالمناخ السياسي الذي أفرزته سنوات دونالد ترامب، حيث لم يكن الهجوم على الإعلام مجرد خطاب، بل ساهم، مع حملات الإلغاء والضغط الإعلاني، في تآكل الأسس الاقتصادية والنفسية للصحافة. كما أن تحولات الخط التحريري، والتردد في تبني مواقف سياسية صريحة، عكست توترًا مزمنًا بين متطلبات الصحافة ومصالح الشركات المالكة.
هل الذكاء الاصطناعي هو المتهم السهل؟
ينتقد الكاتب تحميل الذكاء الاصطناعي وحده مسؤولية الأزمة، معتبرًا أن المشكلة أعمق. فالذكاء الاصطناعي لم يقضِ على الصحافة، لكنه غيّر علاقتها بالجمهور. القارئ بات يستهلك الأخبار عبر محركات البحث والمنصات والملخصات الآلية، ما جعل الصحف مجرد مصدر بين مصادر عديدة، وهو نموذج لا يحتمل جيوش المراسلين، خصوصًا خارج العواصم.
نظام إعلامي جديد… أقل شهادة وأكثر تعليقًا
وفق تحليل أرسلان، العالم يتجه نحو إعلام يقل فيه عدد المراسلين ويكثر فيه الرأي، يضعف فيه الحضور الميداني، وتتحول فيه التغطية الدولية إلى ترف. مناطق بأكملها، من الشرق الأوسط إلى أفريقيا وجنوب آسيا، تتراجع في سلم الاهتمام، بينما تصبح الذاكرة الجماعية أول ضحايا هذا التحول.
تركيا… النسخة الأكثر قسوة من المشهد نفسه
يؤكد الكاتب أن ما يحدث في «واشنطن بوست» ليس قصة أميركية بعيدة عن تركيا. الفارق أن الانكماش في الولايات المتحدة تحركه السوق والتكنولوجيا، بينما في تركيا يتم «تفريغ» غرف الأخبار بقرارات سياسية مباشرة. الصحفي يُقصى لا لأنه مكلف، بل لأنه خطر. والخط التحريري لا يُرسم بالاستراتيجية، بل بالسلطة.
لهذا، يرى أرسلان أن ما تعيشه «واشنطن بوست» اليوم هو ما تعيشه الصحافة التركية منذ سنوات.
أخطر تبرير: “الغرب أيضًا هكذا”
يحذر الكاتب من استخدام هذا الحدث كذريعة دعائية في تركيا للقول إن تراجع الصحافة ظاهرة عالمية. الفارق الجوهري، كما يوضح، أن الصحفي في الغرب لا يُسجن بسبب عمله، وأن القضاء والمؤسسات البديلة لا تزال قائمة. أما في تركيا، فتقلص الإعلام يعني تقلص الحقيقة نفسها.
الخلاصة
يرى آدم ياوز أرسلان أن ما تشهده «واشنطن بوست» ليس أزمة عابرة، بل علامة على نهاية نموذج إعلامي كامل. وإذا كانت الديمقراطيات الليبرالية تتساءل اليوم عن جدوى الصحافة اقتصاديًا، فإن السؤال في تركيا أشد قسوة: هل ما زالت الصحافة ممكنة سياسيًا؟

