دخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سجال علني جديد حول القدس، بعد أن أعلن الأخير أن المدينة “ملك لإسرائيل وحدها”، في خطاب ألقاه خلال مراسم افتتاح مشروع أثري مثير للجدل.
تصريحات نتنياهو اعتُبرت بمثابة رد مباشر على مواقف أردوغان السابقة بشأن “قدسية” القدس وعلاقتها بالتاريخ العثماني، لتفتح الباب أمام مواجهة كلامية جديدة تزامنت مع تصاعد الحرب الإسرائيلية على غزة وتزايد الاتهامات الدولية لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية.
خلفيات تصريحات نتنياهو: الأثر التاريخي والسياسة المعاصرة
في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر، شارك نتنياهو في مراسم بمدينة داود الأثرية المقامة فوق حي سلوان الفلسطيني الملاصق لأسوار القدس القديمة، حيث افتُتح “طريق الحج” المكتشف حديثًا، والذي تزعم السلطات الإسرائيلية أنه كان مستخدمًا من قبل اليهود في طريقهم إلى جبل الهيكل قبل أكثر من ألفي عام. الحفل حضره وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وسفير واشنطن في إسرائيل مايك هاكبي، ما أضفى على الحدث بعدًا سياسيًا واضحًا.
نتنياهو تطرق خلال كلمته إلى خلاف قديم يعود إلى تسعينيات القرن الماضي بشأن “نقش سلوان” المحفوظ في إسطنبول منذ الحقبة العثمانية، مشيرًا إلى أن تركيا رفضت إعادته عام 1998، في فترة كان أردوغان يشغل منصب رئيس بلدية إسطنبول. لينهي حديثه بتصريح مباشر: “هذه مدينتنا يا سيد أردوغان، وليست مدينتكم، وستبقى مدينتنا إلى الأبد ولن تُقسم مجددًا.”
وسائل إعلام إسرائيلية اعتبرت هذا الرد إشارة صريحة إلى خطاب أردوغان عام 2020 في البرلمان التركي حين قال إن “القدس مدينتنا، مدينة من مدننا”، في إشارة إلى قرون الحكم العثماني قبل الحرب العالمية الأولى.
رد أردوغان: اتهامات بالإبادة ومقارنة بهتلر
أردوغان لم يتأخر في الرد، إذ استغل مناسبة وضع حجر الأساس لمجمع وزارة الخارجية الجديد في أنقرة ليطلق هجومًا شديد اللهجة. وأكد أن تركيا لن تتراجع عن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس الشرقية، قائلاً: “لن نسمح بتدنيس المسجد الأقصى بأيدٍ غير جديرة به.”
كما هاجم إسرائيل واصفًا حملتها في غزة بأنها “إبادة جماعية”، مضيفًا: “من يظن أنه يبني مستقبلاً آمنًا عبر الطغيان وسفك دماء الأطفال الأبرياء سيغرق في الدماء التي سفكها.” وفي إشارة إلى نتنياهو قال: “أعرف أن حقد هؤلاء المقلدين لهتلر لن يزول، لكن فليستمروا في نوبات غضبهم، فنحن كمسلمين لن نتنازل عن حقوقنا في القدس الشرقية.”
مقارنة أردوغان لنتنياهو بهتلر تكررت في خطاباته السابقة، فيما يتهم نتنياهو بدوره أردوغان بالنفاق ومعاداة السامية.
الموقف التركي الرسمي وتاريخ العلاقات الثنائية
المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر جليك وصف تصريحات نتنياهو بأنها “باطلة ولاغية”، واصفًا إياه بـ”زعيم شبكة إبادة جماعية”. هذا الموقف يعكس استمرار التوتر الذي ميّز العلاقات التركية ـ الإسرائيلية منذ الحرب على غزة عام 2008–2009، وتفاقم عقب حادثة سفينة “مافي مرمرة” عام 2010 التي أسفرت عن مقتل عشرة ناشطين أتراك.
ورغم محاولة إعادة الدفء للعلاقات في 2022 عبر زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أنقرة، فإن حرب غزة الأخيرة التي اندلعت في أكتوبر 2023 أعادت الخطاب العدائي إلى الواجهة.
غزة تحت النار: أبعاد إنسانية وقانونية
الهجوم الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة خلّف دمارًا هائلًا، وأودى – وفق تقارير – بحياة أكثر من خمسة وستين ألف فلسطيني، فيما شُرّد ما يقرب من كامل سكان القطاع البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة. الأمم المتحدة حذّرت من خطر المجاعة، بينما أشارت منظمات الإغاثة إلى نقص كارثي في الغذاء والدواء والمياه.
محكمة العدل الدولية في لاهاي أصدرت أوامر لإسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الإبادة، فيما خلصت لجنة التحقيق الأممية المستقلة في أيلول/سبتمبر الماضي إلى أن إسرائيل ترتكب بالفعل “إبادة جماعية”، مستندة إلى أنماط القتل الجماعي للمدنيين وتدمير البنية التحتية والتصريحات العلنية لمسؤولين إسرائيليين التي تُظهر نية إبادة.
القدس في قلب النزاع: جدل السيادة والمشاريع الاستيطانية
قضية القدس لا تزال في صميم الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. المشروع الأثري المثير للجدل في “مدينة داوود” تديره منظمة “إلعاد” الاستيطانية، التي تتهمها منظمات حقوقية بمحاولة تهويد المنطقة عبر إخلاء عائلات فلسطينية من حي سلوان وتوظيف الآثار لتبرير الحصرية اليهودية في القدس الشرقية.
الأمم المتحدة تعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة منذ حرب 1967، وترفض معظم دول العالم الاعتراف بضمها من جانب إسرائيل. الفلسطينيون يرون في المدينة عاصمة دولتهم المستقبلية، فيما زادت الخطوة الأمريكية عام 2017 بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها من عزلة الموقف الفلسطيني دوليًا، مع استمرار رفض واسع من المجتمع الدولي.

