أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن معاداة السامية، شأنها شأن الإسلاموفوبيا، تمثل جريمة ضد الإنسانية ولا يمكن اعتبارها موقفاً مشروعاً أو مقبولاً تحت أي ذريعة.
جاءت تصريحات أردوغان خلال مأدبة إفطار رمضانية رسمية أقيمت في العاصمة أنقرة وجمعت ممثلين عن الأقليات الدينية في تركيا، في فعالية قدمتها الحكومة بوصفها رسالة تقارب واحترام للتعدد الديني في البلاد.
إدانة الكراهية الدينية بكل أشكالها
في كلمته خلال الإفطار، شدد أردوغان على أن العداء الديني بجميع صوره مرفوض، قائلاً إن معاداة السامية – أي كراهية اليهود – لا تختلف عن الإسلاموفوبيا في كونها اعتداءً على القيم الإنسانية، مؤكدا أن مثل هذه المواقف لا يمكن اعتبارها مبررة أو مشروعة.
كما أشار إلى أن تركيا تقوم، وفق رؤيتها الرسمية، على مبدأ حرية الدين والضمير، موضحاً أن أفراد الطوائف الدينية المختلفة قادرون على الحفاظ على مؤسساتهم الدينية وإدارة شؤونهم ضمن الإطار القانوني للدولة.
وفي سياق حديثه عن الأمن الديني، أكد الرئيس التركي أن بلاده لا تتسامح مع التنظيمات المتطرفة التي تستهدف دور العبادة، مشيراً إلى أنقرة ترفض بشكل قاطع الجماعات الإرهابية التي تهاجم المساجد والكنائس والمعابد اليهودية، ومشدداً على أن مثل هذه التنظيمات لا مكان لها في تركيا.
رسالة انفتاح تجاه الأقليات الدينية
الفعالية التي جرت خلال شهر رمضان عرضتها وسائل الإعلام التركية باعتبارها مبادرة للتواصل مع المجتمعات غير المسلمة داخل البلاد.
وتضم تركيا جالية يهودية تاريخية يتركز معظم أفرادها في مدينة إسطنبول، ويُقدَّر عددهم بما يتراوح بين اثني عشر ألفاً وستة عشر ألف شخص. ورغم الاعتراف الرسمي بهذه الطائفة وتوفير الحماية الأمنية لمؤسساتها الدينية، فإن أفرادها واجهوا على مدى سنوات خطابات معادية لليهود إضافة إلى مخاوف أمنية متكررة.
الجدل حول الخلط بين معاداة السامية وانتقاد الصهيونية
تأتي تصريحات أردوغان في وقت يتصاعد فيه الجدل الدولي حول الحد الفاصل بين معاداة السامية وبين انتقاد الصهيونية، وهي الحركة السياسية التي قادت إلى تأسيس دولة إسرائيل.
وتقول مجموعات مؤيدة للفلسطينيين وعدد من الناشطين اليهود المناهضين للصهيونية إن الحكومات والمؤسسات العامة كثيراً ما تخلط بين العداء لليهود كجماعة دينية أو عرقية وبين معارضة الصهيونية أو انتقاد سياسات إسرائيل.
ومن بين أبرز هذه الجهات منظمة يهودية أميركية مناهضة للصهيونية تُعرف باسم “الصوت اليهودي من أجل السلام“، والتي تؤكد في مواقفها العلنية أن مناهضة الصهيونية ليست بالضرورة معاداة للسامية.
حرب غزة تعمّق الانقسام الدولي
ازدادت حدة هذا النقاش مع تصاعد الاتهامات الدولية لإسرائيل بارتكاب جرائم جسيمة في قطاع غزة. فقد أعلنت منظمة العفو الدولية في كانون الأول/ديسمبر عام ألفين وأربعة وعشرين أنها توصلت إلى استنتاج مفاده أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في القطاع.
وفي أيلول/سبتمبر عام ألفين وخمسة وعشرين، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أن إسرائيل ارتكبت أعمال إبادة جماعية في غزة، داعية الدول إلى الوفاء بالتزاماتها القانونية وفق القانون الدولي.
هذه التطورات أسهمت في تعميق الانقسام في الخطاب العالمي حول القضية الفلسطينية.
تراجع التأثير الأخلاقي لاتهامات معاداة السامية في نظر بعض النشطاء
في ظل هذه التطورات، يرى بعض الأصوات المؤيدة للفلسطينيين أن اتهامات معاداة السامية لم تعد تحمل التأثير الأخلاقي ذاته الذي كانت تتمتع به سابقاً، خصوصاً في ظل ما يعتبرونه دعماً واسعاً لإسرائيل داخل مؤسسات وجماعات يهودية مؤثرة.
ويؤكد هؤلاء أن الغضب المتزايد في الرأي العام العالمي لا يستهدف اليهود كدين أو جماعة إثنية، بل يتركز على انتقاد منظومة الهيمنة والسيطرة المفروضة على الفلسطينيين.
كما يجادلون بأن الخلط بين انتقاد سياسات إسرائيل وبين معاداة السامية يُستخدم أحياناً لإسكات الانتقادات الموجهة إلى الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية.
تركيا بين خطاب مكافحة الكراهية ودعم الفلسطينيين
تجد تركيا نفسها في موقع معقد داخل هذا النقاش الدولي؛ فهي من جهة تؤكد رفضها لكل أشكال الكراهية الدينية، بما في ذلك معاداة السامية والإسلاموفوبيا، ومن جهة أخرى تعد من أكثر الدول انتقاداً للسياسات الإسرائيلية في غزة.
هذا التوازن يعكس محاولة أنقرة الجمع بين الدفاع عن حرية الدين ومواجهة خطاب الكراهية من جهة، وبين دعم القضية الفلسطينية وانتقاد السياسات الإسرائيلية من جهة أخرى.
خلاصة
تصريحات أردوغان التي تساوي بين معاداة السامية والإسلاموفوبيا باعتبارهما جريمة ضد الإنسانية جاءت في سياق دولي محتدم بسبب حرب غزة والاتهامات المتزايدة لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. ويكشف هذا الجدل عن صراع متصاعد في الخطاب العالمي حول التمييز بين حماية اليهود من الكراهية وبين حماية حرية انتقاد الصهيونية وسياسات إسرائيل.

