في مطلع القرن السابع الميلادي، كانت المنطقة الممتدة من الفرات إلى الشام مسرحًا لصراع دموي طويل بين الإمبراطورية البيزنطية (الروم) والإمبراطورية الساسانية الفارسية، فيما عرف بالحروب الفارسية البيزنطية (602 – 628م). وقد انعكست شدّة هذه الحروب ووقعها في الوعي العام العربي آنذاك حتى ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة “الروم”، التي تنبأت بانتصار الروم بعد هزيمتهم الساحقة على يد الفرس، الذين استولوا على القدس سنة 614م، ونهبوا كنيسة القيامة وأخذوا منها “صليب الصلبوت”.
المؤرخ الطبري، في القرن التاسع الميلادي، يورد روايات عن فظائع الحرب، منها أن الفرس عمدوا إلى تجريف بساتين الزيتون في بلاد الشام، فيما يشبه سياسة الأرض المحروقة. لم تكن المعركة بين الإمبراطوريتين حربًا مباشرة وحسب، بل تداخلت فيها تحالفات مع قوى محلية وإقليمية، أبرزها القبائل العربية المنقسمة الولاء بين فارس والروم، فضلًا عن الأرمن والبلغار.
وقد انتهت هذه الحرب الطويلة بعد أن استطاع الروم بقيادة الإمبراطور هرقل أن يحرزوا نصرًا كبيرًا عام 628م بالوصول إلى المدائن (عاصمة فارس) واستعادة الصليب المقدّس، في وقت كان فيه الطرفان منهكين من الحرب، ما فرض هدنة طويلة لم تنكسر، ليس بسبب زوال العداء، بل لأن عاملاً جديدًا دخل المعادلة: ظهور المسلمين، الذين سرعان ما أزالوا الإمبراطورية الفارسية خلال أقل من ربع قرن، وأجلوا الروم عن الشام.
إسقاطات معاصرة
ينطلق رضوان السيد من استحضار هذا الصراع التاريخي ليقدم قراءة معاصرة، تُسقط ثنائية “فارس والروم” على واقع الصراع في الشرق الأوسط، معتبرًا أن إيران تمثل الامتداد التاريخي لروح الدولة الفارسية الإمبراطورية، بينما تمثل الولايات المتحدة الأميركية النسخة الحديثة من “روم” بصفتها القوة العظمى السائدة.
منذ انتصار الثورة “الإسلامية” في عام 1979، تبنت إيران شعار “لا شرقية ولا غربية”، في رفض واضح للتبعية للولايات المتحدة، وهو ما دفع واشنطن إلى اعتماد سياسة احتواء ومناوشة طيلة أربعة عقود، تارة من خلال العراق زمن صدام حسين، وأخرى عبر الحليف الإسرائيلي. في المقابل، مارست طهران “الحرب غير المتماثلة” من خلال أذرعها المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
لحظة التحوّل – ضربات أميركية واتفاقات معلنة وسرية
يرى السيد أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت حاسمة في تغيير قواعد اللعبة، بعدما ملّت من سياسة الاحتواء المترددة. فمع تفاقم أزمة البرنامج النووي الإيراني وتصاعد التوتر في الخليج والشرق الأوسط، جاءت لحظة الانفجار: ضربة أميركية صاعقة تستهدف البنية الإيرانية، يتبعها إعلان ترامب انتهاء الحرب وليس مجرد وقف إطلاق نار، بل يذهب أبعد إلى الحديث عن مستقبلٍ زاهر لإيران والمنطقة، بشرط التوقيع على سلسلة من الاتفاقات التي تشمل النووي، والصواريخ الباليستية، وأذرع إيران الإقليمية.
اللافت في هذه الحرب، بحسب السيد، أنها اتسمت بـ”الحضارية”، لا من حيث قلة الخسائر، بل من حيث التنسيق غير المعلن: ترامب يُخبر إيران بالهجوم قبل تنفيذه، وطهران تُبلغ واشنطن بردّها مسبقًا، والوساطة تتم عبر قطر، ويُشكر فيها ترامب وتُشكر فيها إيران وإسرائيل أيضًا، والكل يحتفل بنوع من “الانتصار الرمزي”!
من غزة إلى طهران – أين أخفقت “الحظة الحضارية”؟
رغم ما يصفه الكاتب بالانضباط “الحضاري” في مواجهة إيران، فإن هذه اللحظة لم تتكرس في حرب غزة الأخيرة، حيث خان الجميع منطق “الحضارة”، وعاد العنف إلى صورته البدائية. لكن يبقى السؤال الأكبر: هل انتهت الحرب فعلاً؟
يرجّح رضوان السيد أن إيران في حال من الإنهاك الشديد، على المستويات العسكرية والأمنية والنووية والعلمية، بعد أن فقدت كثيرًا من أدواتها وأذرعها، وستكون مستعدة للتهدئة – وربما الانفتاح – إذا ضمنت حمايتها في المستقبل. وهذا ما يسعى ترامب إليه، عبر حزمة اتفاقات تشمل كل النقاط الشائكة.
أما إسرائيل، فهي الأخرى تعاني من إرهاق استراتيجي ناتج عن “حروب الانتصار”، وستكون ميّالة للتهدئة إذا شعرت بالأمان، خاصة من جهة حزب الله في لبنان. غير أن الشكوك ستبقى قائمة إذا شعرت تل أبيب أن واشنطن تندفع كثيرًا نحو احتضان طهران.
سلام الشرق الأوسط لا يزال مؤجلاً
في قراءة الكاتب، فإن فارس تضاءلت لكنها لم تسقط، والروم (أميركا) لم يخسروا شيئًا بل قد يربحون إيران كما سبق وربحوا سوريا. أما الوعود بمشرق جديد يسوده السلام والازدهار، فهي لا تزال بعيدة التحقق، ما دام منطق القوة هو الحاكم، ولو غُلّف بلغة “الحضارة” والاحتواء.

