ذكر الكاتب والمحلل السياسي التركي لفند جولتكين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يكرر نفس العبارات في كل مناسبة يتحدث فيها عن نظيره التركي رجب طيب أردوغان، مؤكداً وجود “علاقة رائعة” بينهما، وإعجابه بشخصيته وقراراته، ومعيدا للأذهان قضية “القس برانسون” كمثال على ما يعتبره تعاوناً ناجحاً مع تركيا.
غير أن الكاتب يرى أن هذه التصريحات ليست وليدة صدفة، بل جاءت عبر سؤال “موجّه” من قناة فوكس نيوز المقرّبة من ترامب، مما يعزز فرضية أن هناك رسالة سياسية مقصودة وراء هذه الإشادة، وذلك في الفيديو الذي نشره على موقع “يوتيوب”.
الإشادة المبطّنة بالتهديد
يشير جولتكين إلى أن التذكير المتكرر بقضية برانسون يحمل بُعداً تهديدياً، حيث سبق أن هدّد ترامب تركيا علناً إذا لم تطلق سراح القس، بل استخدم تعابير قاسية في رسائله الرسمية. ويستنتج الكاتب أن ترامب يحاول عبر هذه الإشارات التأكيد على أنه قادر على التأثير على تركيا، بما في ذلك الضغط والإملاء، مما يُظهر أن الإطراء المعلن يخفي تحته مستوى من السيطرة والإذعان.
وكان ترامب بعث خطابًا إلى أردوغان يوم 9 أكتوبر 2019، وهو نفس اليوم الذي بدأت فيه عملية “نبع السلام” التركية في سوريا، محذرًا إياه بالقول: “لا تكن غبياً… لا تكن رجلاً متعنتاً”، ومطالبا بالتوصل لاتفاق مع الأكراد في شمال شرق سوريا يجنب تركيا “ذبح الآلاف من الناس”.
كما هدد ترامب “بتدمير الاقتصاد التركي” مشيراً إلى العقوبات الاقتصادية التي أقرتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد أنقرة إبان احتجاز القس الأمريكي أندرو برونسون في تركيا حتى تم الإفراج عنه ليعود إلى بلاده، وذلك رغم أن السلطات التركية كانت تقدمه على أنه “العقل المدبر لمحاولة الانقلاب” الفاشلة في 2016.
التركيز على سوريا… لعبة مزدوجة؟
يُعرب جولتكين عن قلقه من تكرار ترامب لعبارة “أنت من حلّ مشكلة سوريا”، رغم نفي أردوغان لذلك أثناء المقابلة. ويرى أن تحميل تركيا مسؤولية ما يحدث في سوريا قد يُستخدم لاحقاً ضدها، كما حصل مع صدام حسين وقضية غزو الكويت. ويحذّر من احتمال توظيف هذه العبارة مستقبلاً لتوجيه اللوم إلى أنقرة إذا ساءت الأمور في سوريا، خصوصاً فيما يتعلّق بمصير الكيانات الكردية المسلحة المدعومة غربياً.
صمت رسمي تركي عن المسألة الكردية
يربط جولتكين الإشادة الأمريكية بملف الأكراد في سوريا، حيث لاحظ غياب التصريحات الرسمية التركية خلال الأشهر الأخيرة حول “منع قيام دولة إرهابية” أو “رفض كيان كردي مسلح” في شمال سوريا، وهي عبارات كان أردوغان يستخدمها بكثافة سابقاً لوصف الإدارة الذاتية في الشمال السوري. ويعتقد أن واشنطن طلبت من أنقرة التزام الصمت حيال هذا الملف، وأردوغان استجاب، ما دفع ترامب لمواصلة رسائل “التشجيع” في العلن.
إيران على الطاولة: تركيا كلاعب محوري
ينتقل الكاتب إلى الملف الإيراني، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعوّلان على دور تركي “مساعد” في حال تطور الأمور نحو مواجهة مع طهران. وبما أن أردوغان يُقدَّم في العالم الإسلامي على أنه “زعيم إسلامي”، فإن مشاركته، أو حتى صمته، سيكون ذا قيمة رمزية مهمة لتبرير أي عملية عسكرية ضد إيران. ويعتقد جولتكين أن إشادة ترامب تهدف أيضاً إلى تليين الموقف التركي بهذا الاتجاه.
الدافع السياسي خلف الإشادة
يرى جولتكين أن إشادة ترامب ليست نابعة من إعجاب حقيقي، بل هي جزء من سياسة “التحفيز والتطمين” أو كما يُقال بالعامية التركية “pışpışlamak”، أي التربيت والتشجيع النفسي من أجل كسب الولاء أو استمرار التعاون. ويشير إلى أن ترامب شخصية لا تخفي عداءها للفلسطينيين وللقضية الفلسطينية، ويتبنى مواقف متطرفة لصالح إسرائيل، وصلت حدّ دعوته مؤخراً لتحويل غزة إلى منطقة سياحية وإجلاء سكانها. وبالتالي فإن إشادته برئيس دولة يُفترض أنها تدعم فلسطين، لا يمكن أن تكون مدعاة للفخر.
المفارقة الأخلاقية في إشادة “الجلاد“
يتساءل جولتكين عن الدلالة الأخلاقية والسياسية لأن يُشيد رئيس كترامب، – الذي يغض الطرف عن المجازر الإسرائيلية ويدعو لتدمير غزة – بأردوغان، خاصة وأن الحكومة التركية تتغنى دائماً بقضية فلسطين. ويشبّه ذلك بأن يقوم قاتل أو لص بالإشادة بشخص ما، متسائلاً إن كانت تلك الإشادة محل فخر أم مدعاة للريبة.
المفاوضات الأمريكية الإيرانية في عُمان
يختم جولتكين تصريحاته بالإشارة إلى المفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران في عُمان، والتي ستجري عبر وسطاء، ويصفها بأنها “مفاوضات شكلية” هدفها إظهار استحالة الوصول إلى اتفاق، تمهيداً لتبرير عملية عسكرية لاحقة. ويعيد التأكيد على قناعته بأن مواقف أردوغان المتماشية مع واشنطن في هذا السياق، هي السبب الرئيس وراء استمرار ترامب في مدح الرئيس التركي.

