أثار رفض إدارة سجن سيليفري التركي تسلُّم مؤلفات العلامة الإسلامي سعيد النورسي المرسلة إلى معتقلين، موجة استنكار في الأوساط الفكرية والدينية، معتبرين الخطوة انتهاكًا جديدًا لحرية الفكر الديني، في ظل استمرار التضييق على الحركات الإسلامية المعارضة للسلطة.
مقدمة: رقابة مشددة تطال مؤلفات دينية مرخّصة
في خطوة مثيرة للجدل، رفضت إدارة سجن سيليفري رقم 8 في تركيا إدخال مجموعتين من مؤلفات رسائل النور للشيخ سعيد النورسي، كانت مرسلة إلى نزلاء في السجن من قبل فريق مرتبط بصحيفة يني آسيا، المقربة من أحد فروع حركة النور.
الكتب أعيدت دون فتحها، ودون إبداء أسباب أمنية واضحة، واكتفت الإدارة بالإشارة إلى ما سمته “قواعد الإدارة”، الأمر الذي اعتبره مراقبون شكلاً من أشكال الرقابة التعسفية على المحتوى الديني المشروع قانونًا.
سعيد النورسي ورسائل النور: تراث غير سياسي يُقصى سياسيًا
تُعد “رسائل النور” التي كتبها الشيخ سعيد النورسي المنحدر من أصول كردية في النصف الأول من القرن العشرين، تفسيرًا عصريًا للقرآن الكريم، وتُعرف بأنها حركة دعوية غير سياسية، نشأت بعيدًا عن الصراعات الحزبية.
وقد أُتيح تداول هذه المؤلفات في تركيا بشكل قانوني منذ خمسينيات القرن الماضي، بل وسبق أن أشاد بها مسؤولون في الدولة، بمن فيهم الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي كثيرًا ما يتحدث عن إرث النورسي بإيجابية.
التضييق يستهدف المعارضة الدينية المعتدلة
رغم الخطاب الرسمي الإيجابي، يشتكي فرع يني آسيا من حركة النور من أن السلطات التركية تتعامل مع التراث الديني الإسلامي وفق اعتبارات سياسية لا قانونية. ويقول هؤلاء إن الدولة تستخدم الدين أداةً للسيطرة، بينما تضيق على الفِكر الديني المستقل، خصوصًا إن لم يكن في صفها.
الصحفي كاظم غولجيوز، رئيس التحرير السابق لصحيفة “يني آسيا”، علّق على رفض السجن تسليم الكتب قائلًا: “إنه مثال جديد على التعسف”، وهو نفسه كان قد سُجن في سيلفري عام 2024 لمجرد تقديمه التعزية في وفاة العالم الإسلامي فتح الله كولن.
سجن سيليفري: حيث يُحاصر الدين باسم السياسة
يُعد سجن سيليفري رمزًا للقمع السياسي في تركيا، ويضم مئات السجناء الذين اتُّهموا بالارتباط بحركة كولن، في ظل اتهامات مستمرة للحكومة التركية باستخدام القضاء كأداة للانتقام السياسي.
ومن اللافت أن فتح الله كولن، الذي توفي في أكتوبر 2023 عن عمر ناهز 83 عامًا، تأثر بشكل كبير بفكر النورسي، وحرص طيلة حياته على تشجيع أتباعه على قراءة “رسائل النور“.
لكن هذا التقاطع الفكري بات كافيًا – وفق مراقبين – لأن يُنظر إلى مؤلفات النورسي بشبهة، رغم خلوّها من الطابع السياسي أو التحريضي.
ازدواجية الدولة في التعامل مع التيارات الإسلامية
فيما تحتفي بعض الحركات النورية الموالية للحكومة بإرث النورسي دون اعتراض رسمي، تُواجَه تيارات أخرى، مثل “يني آسيا“، بالتهميش والملاحقة، بسبب موقفها الرافض للانقلاب العسكري المزعوم عام 2016، وكذلك لرفضها دعم حملة أردوغان الأمنية ضد “الكيان الموازي”، في إشارة إلى حركة كولن.
وقد دأبت “يني آسيا” على التحذير من أن القمع الذي بدأ ضد فصيل إسلامي معين قد يطال لاحقًا الجميع، خصوصًا في ظل تركيز السلطة على الولاء السياسي بدل القيم المشتركة.
حرية المعتقد في مهب السياسة
رغم عدم وجود أي حظر رسمي على رسائل النور في تركيا، فإن الوقائع تشير إلى أن الممارسة على الأرض باتت تحكمها الولاءات السياسية لا القوانين.
منظمات حقوقية أعربت عن قلقها إزاء حرمان السجناء من الكتب الدينية الأساسية، معتبرة ذلك انتهاكًا صارخًا لحرية المعتقد المكفولة في الدستور التركي والقوانين الدولية.
أردوغان والورقة الدينية: تحالف مشروط
يرى مراقبون أن علاقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالحركات الإسلامية باتت تقوم على مبدأ “الولاء مقابل البقاء”. فمن يساند النظام يُفسَح له المجال، ومن يخالفه يُقصى ويُضيق عليه.
وفي هذا السياق، أصبحت العلاقة مع التيارات الدينية علاقة انتقائية، يُستثمر فيها الدين لتعزيز السلطة، لا لبناء أرضية مشتركة أو نهضة روحية أصيلة.
من رسالة الحرية إلى جدران السجن
قال سعيد النورسي: “أستطيع أن أعيش بلا خبز، ولكن لا أستطيع أن أعيش بلا حرية“. واليوم، تُرفض كتبه عند أبواب السجون التي تحتجز مَن لم يقاتل أو يحرض، بل فقط خالف أو تعاطف.
الرفض الأخير يُعدّ حلقة جديدة في سلسلة التضييق على الفكر الإسلامي الحر في تركيا، ويكشف عن مفارقة صادمة: السلطة التي تتغنى بإرث النورسي تُقيد وصول كلماته إلى قارئه الطبيعي: المسلم السجين الباحث عن المعنى والسكينة.

