تكشف البيانات الرسمية الصادرة حديثًا أن الخسائر المتراكمة في مؤسسات الدولة التركية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة خلال العام الماضي، مدفوعة بسياسات حكومية قامت على تثبيت أسعار الطاقة والائتمان للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين.
وتبرز شركة خطوط أنابيب البترول التركية (بوتاش) في مقدمة المؤسسات المتضررة، بعدما سجّلت عجزًا ماليًا ضخمًا تجاوز المليار دولار، نتيجة استمرار البيع بأسعار تقل عن التكلفة الحقيقية.
خسائر بوتاش: ضغط مالي ناتج عن تثبيت أسعار الغاز
أظهرت أرقام التقرير أن التكاليف التشغيلية لبوتاش تجاوزت إيراداتها السنوية بفارق ملموس، إذ فاقت تكلفة المبيعات حجم الإيرادات الإجمالية، مما جعل الشركة أكثر المؤسسات الحكومية تكبّدًا للخسائر. ويأتي هذا الوضع نتيجة مباشرة لاستمرار الحكومة في فرض أسعار منخفضة للغاز الطبيعي، ما يحمّل الشركة فروقات مالية تُعوَّض عبر الخزانة العامة.
وتشير المعطيات إلى أن بوتاش حصلت على نسبة كبيرة من تحويلات الخزانة التي تهدف لتعويض خسائر الشركات المُلزَمة بالبيع دون السعر السوقي، لتصبح في المرتبة الثانية بعد مؤسسة إنتاج الكهرباء التي استحوذت على الجزء الأكبر من هذه التحويلات.
ارتفاع التحويلات الحكومية وتفاقم العبء على الميزانية
توضح الأرقام أن نفقات الخزانة لتعويض خسائر مؤسسات الدولة ارتفعت بشكل حاد خلال العام، في ظل التوسع في سياسات الدعم المالي لقطاعي الطاقة والائتمان. هذا التوسع أدى إلى زيادة كبيرة في حجم الأموال المخصّصة لسد الفجوة بين أسعار التكلفة وأسعار البيع المفروضة من قبل الحكومة، ما ضاعف الضغط على الميزانية العامة في وقت يشهد فيه الاقتصاد مستويات مرتفعة من التضخم.
كما ارتفعت التعويضات المالية الموجهة للبنوك الحكومية والتعاونيات الزراعية ارتفاعًا ملحوظًا، في إشارة إلى اتساع نطاق التدخل الحكومي في السوق بهدف التحكم في الأسعار والحفاظ على استقرار اجتماعي قصير المدى.
الخسائر المتراكمة في المؤسسات الأخرى
لم تتوقف الخسائر عند قطاع الطاقة، إذ أظهرت مؤسسات النقل والتعدين الحكومية تراجعًا ماليًا كبيرًا. فقد سجلت هيئة السكك الحديدية الحكومية عجزًا ضخمًا، في حين سجلت شركة نقل السكك الحديدية التابعة لها خسائر إضافية. كما تكبّدت مؤسسة الفحم الصلب خسائر كبيرة، تعكس استمرار التحديات الهيكلية في هذا القطاع.
ورغم هذا المشهد العام القاتم، حققت بعض الشركات الحكومية أرباحًا معتبرة، مثل مؤسسة نقل الكهرباء التي سجّلت فائضًا ماليًا كبيرًا، إضافة إلى شركة “إتي مادن” المختصة بالمعادن، والتي واصلت تسجيل نتائج إيجابية مدعومة بقوة الطلب العالمي في بعض الأسواق.
التوازن الصعب بين حماية المستهلك واستدامة المؤسسات
تعكس هذه التطورات معضلة مستمرة في السياسات الاقتصادية التركية، حيث تحاول الحكومة الحد من تضخم أسعار الطاقة الذي يشكّل عبئًا على الأسر، لكنها في الوقت ذاته تضع المؤسسات الحكومية تحت ضغط مالي هائل يستنزف الميزانية العامة. ويأتي ذلك في سياق اقتصادي متوتر يتسم بارتفاع التضخم وتحديات التمويل الخارجي وتذبذب قيمة العملة المحلية، ما يجعل استمرار هذه السياسة محل نقاش واسع داخل الأوساط الاقتصادية.

