تشهد تركيا خلال الأشهر الأخيرة تصاعداً حاداً في أزمات الديون الفردية، نتيجة التآكل المستمر في القدرة الشرائية للمواطنين بفعل التضخم المرتفع وتباطؤ الزيادات في الأجور.
وفي محاولة لمواجهة موجة الإفلاس الفردي التي تهدد الاستقرار المالي والاجتماعي، أقرت الحكومة التركية بالتعاون مع هيئة التنظيم والرقابة المصرفية (BDDK) خطة لإعادة هيكلة الديون المتعثرة للمواطنين على مدى 48 شهراً بفائدة منخفضة نسبياً تبلغ 3.11%.
84 مليار ليرة زيادة في الديون المتعثرة خلال نصف عام
تشير بيانات هيئة التنظيم والرقابة المصرفية إلى أن الديون الفردية المتعثرة ارتفعت من 100 مليار ليرة تركية في مطلع عام 2025 إلى 184.3 مليار ليرة في منتصف العام ذاته، ما يعني زيادة صادمة بنحو 84 مليار ليرة خلال ستة أشهر فقط. وارتفعت نسبة التعثر في سداد ديون بطاقات الائتمان من 4.1% إلى 5.1%، وفي قروض الأفراد من 2.2% إلى 4.2%.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة سوزجو، فقد ارتفع إجمالي الديون غير القابلة للتحصيل في بطاقات الائتمان بنسبة 130% لتبلغ 95 مليار ليرة، في حين بلغت الديون المتعثرة في قروض الاحتياجات نحو 89 مليار ليرة بزيادة بلغت 52%.
إعادة هيكلة مرنة: توسيع نطاق المشمولين وإلغاء شرط الـ30 يوماً
في خطوة تهدف إلى تسهيل الوصول إلى آلية إعادة الهيكلة، ألغت الهيئة شرط تأخر السداد لـ30 يوماً بالنسبة لقروض الاحتياجات، ما يتيح حتى للمتعثرين حديثاً الدخول ضمن نطاق الجدولة. كذلك، لم يعد يقتصر الأمر على عدم دفع الحد الأدنى من المستحقات في بطاقات الائتمان، بل يشمل أيضاً من لم يتمكن من سداد كامل الدين أو حتى جزء منه.
الأهم من ذلك، أن إعادة الهيكلة لا تشترط وجود تأخير في السداد، ما يعني أن حتى الديون التي سبق أن خضعت لإعادة هيكلة ولم يتم تسديدها بشكل منتظم، يمكن أن تخضع من جديد لجدولة ضمن هذا النظام.
قيود جديدة لمنع التوسع في الاقتراض
وبهدف كبح مفاقمة الأزمة، فرضت هيئة التنظيم والرقابة المصرفية قيوداً على استخدام البطاقات الائتمانية بعد إعادة هيكلتها، إذ لا يُسمح بزيادة حد الائتمان إلا بعد سداد نصف قيمة الدين. كما تمنع المؤسسات المالية من منح قروض جديدة تتجاوز حجم الدين القائم الذي جرت إعادة جدولته، تفادياً لاستخدام القروض الجديدة لسداد المتأخرات.
من يحق له الاستفادة من إعادة الهيكلة؟
تتضمن الفئات المشمولة ببرنامج إعادة الجدولة حاملي بطاقات الائتمان الذين لم يتمكنوا من سداد جزء أو كامل الدين، والمدينين بقروض احتياجات تأخروا في سداد الأقساط، بغض النظر عن فترة التأخير، والأشخاص الذين سبق أن استفادوا من برامج إعادة هيكلة ولم يتمكنوا من الالتزام بالدفع مجدداً. مع الإشارة إلى أن التقديم للاستفادة من البرنامج يجب أن يتم خلال 3 أشهر فقط من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ، وإلا لن يُقبل طلب إعادة الجدولة.
السياق الاقتصادي: التضخم يواصل الضغط على المعيشة
تأتي هذه الخطوة في سياق سياسي واقتصادي بالغ الحساسية، حيث يشهد الاقتصاد التركي مرحلة إعادة تموضع نقدي ومالي تهدف إلى السيطرة على التضخم من جهة، ومنع الانهيار الاجتماعي من جهة أخرى. وقد رُصدت خلال النصف الأول من عام 2025 مؤشرات متزايدة على انكماش الاستهلاك الداخلي، إلى جانب تراجع الثقة بالقطاع المصرفي، ما يُفاقم خطر الانفجار الاجتماعي في حال غياب أدوات امتصاص الصدمات.

