في خطوة غير مسبوقة، وجه عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل منذ عام 1999، نداءً لحل الحزب بشكل نهائي وإلقاء السلاح، داعيًا إلى اعتماد العمل السياسي.
هذه الدعوة، التي تختلف عن المبادرات السابقة، تأتي في سياق داخلي وإقليمي ودولي متغير قد يفضي إلى تحولات جوهرية في القضية الكردية في تركيا والمنطقة.
نداء أوجلان: دعوة للسلام أم مراجعة تاريخية؟
في 27 فبراير/شباط، نقل وفد من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب رسالة عن أوجلان، وصفها بأنها مفصلية، حيث شدد فيها على ضرورة إنهاء العمل المسلح. وأعلن أن حزب العمال الكردستاني “فقد معناه وبات وجوده غير ضروري”. الرسالة، التي حملت عنوان “دعوة للسلام والمجتمع الديمقراطي”، ركزت على العلاقات التركية-الكردية التي تمتد لأكثر من ألف عام. وأشار أوجلان إلى أن التحديات التي واجهتها هذه العلاقة عبر التاريخ كانت نتيجة “الحداثة الرأسمالية التي سعت لتفتيته”.
وأكد أوجلان أن إعادة بناء العلاقة بين الأتراك والأكراد على أسس الأخوة والديمقراطية باتت ضرورة تاريخية، معترفًا بتغير السياق الذي أدى إلى تأسيس الحزب في حقبة الحرب الباردة. كما رفض الحلول التقليدية التي طرحها الحزب في السابق مثل الدولة القومية أو الفيدرالية، معتبرًا أن هذه الطروحات “لم تعد تحظى بتأييد الشعب”.
لماذا الآن؟ العوامل المحلية والإقليمية والدولية
يتزامن نداء أوجلان مع تحولات كبرى على المستويين الداخلي والإقليمي، مما يجعل هذه الدعوة مختلفة عن المبادرات السابقة التي فشلت في تحقيق نتائج دائمة.
- التغيرات الإقليمية: انهيار المشاريع الانفصالية في سوريا
قال سعيد الحاج إن المنطقة شهدت تحولات أضعفت مشاريع الانفصال الكردية في سوريا والعراق، حيث باتت تركيا أكثر نفوذًا في الشمال السوري بعد سقوط نظام الأسد. وأضاف أن التفاهمات التي أبرمت بين أنقرة والحكومة السورية حول وحدة الأراضي السورية قد ضيّقت الخناق على قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني. كما أشار الحاج إلى أن إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة أعادت الجدل حول سحب القوات الأمريكية من سوريا، مما يهدد مستقبل “قسد” ويضعها أمام خيارات صعبة.
- النجاحات الأمنية والعسكرية لتركيا ضد الحزب
لفت الحاج إلى أن العمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني قد أثرت بشكل كبير على قدراته، حيث تمكّنت تركيا من إحباط هجماته داخل البلاد وتوجيه ضربات قوية لمعاقله في شمال العراق. كما أضاف أن تشديد الإجراءات الأمنية والسياسات الاستباقية قد قلل من أعداد المنضمين للحزب.
- تحولات داخل تركيا: موقف دولت بهجلي ودعم الدولة
أشار الحاج إلى تحول موقف دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية وحليف الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي دعا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى حل المسألة الكردية سياسيًا. وأوضح أن هذا الموقف يعد تحولًا هامًا، خاصة أن بهجلي كان يعد من أكثر الشخصيات تشددًا تجاه حزب العمال الكردستاني.
ورغم أن الحكومة التركية لم تعلن رسميًا موقفها من نداء أوجلان، إلا أن الحاج ذكر أن هناك إشارات على عدم اعتراضها، حيث تم السماح بزيارة وفود سياسية لأوجلان ونقل رسالته إلى الإعلام. كما أضاف أن نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، أفقان آلا، رحب بالنداء، معتبرًا إياه “خطوة قد تحرر تركيا من قيودها”.
فرص نجاح المبادرة والتحديات المحتملة
- دعم إقليمي ودولي
قال الحاج إن نداء أوجلان لاقى تأييدًا من شخصيات كردية بارزة، مثل مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، ورئيس إقليم كردستان نجيرفان البارزاني. كما أضاف أن بعض قادة “قسد” رحبوا بالخطوة، مما يعكس تغيرًا في الموقف الكردي الإقليمي.
- قوة تأثير أوجلان داخل الحزب
أكد الحاج أن أوجلان لا يزال يتمتع بشرعية واسعة داخل الحزب رغم سجنه منذ أكثر من 25 عامًا، مما يجعل دعوته ذات تأثير كبير، لا سيما أن بعض قادة الحزب الذين كانوا يشككون في قراراته سابقًا بدأوا يعترفون مجددًا بزعامته.
- غياب إطار واضح للمفاوضات
أردف الحاج أن أحد التحديات الرئيسية التي قد تواجه المبادرة هو غياب تصور واضح لما يمكن أن تقدمه الدولة التركية مقابل إنهاء الحزب لنشاطه المسلح. وعلى الرغم من دعوة أوجلان للحل السياسي، أشار الحاج إلى أن الحكومة التركية لم تقدم أي عرض رسمي، مما قد يجعل بعض قيادات الحزب تتردد في الاستجابة.
- موقف قيادة قنديل
عقب الحاج على أن التساؤل الأهم يتعلق بمدى استجابة القيادة العسكرية للحزب، خاصة في جبال قنديل حيث يسيطر الجناح المتشدد الرافض للتخلي عن السلاح. وأوضح أنه من غير المتوقع أن يكون هناك انصياع كامل لدعوة أوجلان نظرًا لتشابك الأيديولوجيا مع المصالح الميدانية.
- مستقبل دولت بهجلي وتأثيره على المسار
وفيما يتعلق بمستقبل دولت بهجلي، ذكر الحاج أن تقدم سنه وتدهور حالته الصحية يثير تساؤلات حول مدى استمراريته كداعم للمسار الجديد، وما إذا كان غيابه سيؤثر على موقف الدولة التركية من القضية الكردية.
تركيا أمام فرصة تاريخية
ختم الحاج تحليله بالقول إن نداء أوجلان يمثل لحظة فارقة في تاريخ حزب العمال الكردستاني، حيث لا تقتصر الدعوة على وقف العمليات المسلحة، بل تتعداها إلى حل الحزب بالكامل. رغم أن المسار لا يزال في مراحله الأولية، إلا أن الحاج أشار إلى أن هذا يضع الحزب أمام مفترق طرق: إما القبول بالعمل السياسي وفق الشروط التركية أو مواجهة انقسامات قد تضعف الحزب.
وبالنظر إلى الوضع الحالي، قال الحاج إن تركيا اليوم أقوى من أي وقت مضى، حيث تمتلك أوراق ضغط إقليمية ودولية. وفي ظل المتغيرات المستمرة، خاصة فيما يتعلق بالوجود الأمريكي في سوريا، قد تجد تركيا نفسها أمام فرصة تاريخية لتصفية هذا الملف بالكامل، ما لم تطرأ تطورات جديدة تعيد خلط الأوراق مجددًا.

