تقرير: ياوز أجار
أفاد المحلل السياسي التركي والأستاذ السابق في الشرطة الأكاديمية أمره أوسلو بأن تركيا تشهد تحولات جوهرية، حيث لم يعد ملف حزب العمال الكردستاني (PKK) مجرد قضية أمنية تتعلق بإنهاء العمليات المسلحة، بل بات جزءًا من معادلة أعقد تشمل الترتيبات الدستورية التي يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إقرارها، مقابل رفض قاطع من قبل حليفه السياسي زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي.
حل العمال الكردستاني: مناورة أم تحول استراتيجي؟
في فيديو نشره على يوتيوب، أشار أوسلو إلى أن دعوة عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، لإنهاء العمل المسلح لا يمكن فصلها عن السياقات السياسية الراهنة في أنقرة. فقد كشف الباحث والمحلل المتخصص في شؤون الإرهاب أن أنقرة قد تكون منخرطة في مفاوضات سرية تتيح خروج أوجلان من السجن مقابل تفكيك الحزب ووقف العمل المسلح، في خطوة ترتبط بتعديلات دستورية محتملة.
وأضاف المحلل التركي أن هذه التطورات تأتي في ظل تلميحات إلى دور أمريكي في تقويض نفوذ حزب العمال الكردستاني، إذ تزايدت المؤشرات على أن واشنطن تعمل منذ عام 2023 على إعادة هيكلة المشهد الكردي في المنطقة، وهو ما تجلى في حادثة سقوط المروحية في شمال العراق في 2023، حيث كشفت الترابط العضوي بين حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب (YPG) في سوريا. ولفت إلى أن تركيا، رغم امتلاكها معلومات دقيقة حول هذا الترابط، التزمت الصمت، مرجحًا أن يكون ذلك جزءًا من تفاهم غير معلن مع واشنطن، يهدف إلى نقل مقاتلي حزب العمال الكردستاني من تركيا وشمال العراق إلى سوريا عبر قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، ما يسهم في تقليص نفوذ الحزب تدريجيًا.
رهانات أردوغان بين الدستور والتحالفات الداخلية
بحسب أوسلو، فإن التغيرات الأخيرة لا تتعلق فقط بملف العمال الكردستاني، بل تمتد إلى معركة دستورية داخل تركيا. فهناك جناح داخل حزب العدالة والتنمية، يضم شخصيات مثل نُعمان كورتولموش، وهاكان فيدان، وأفكان آلا، يدفع باتجاه تعديلات دستورية تضمن الاعتراف بالهوية الكردية في تركيا، بما في ذلك إعادة تعريف مفهوم “المواطنة” بشكل أكثر شمولية بعيدا عن العنصرية، وهو ما يثير غضب التيار القومي المحافظ بقيادة بهجلي.
وأشار أوسلو إلى أن زعيم الحركة القومية يرى في هذه التعديلات تهديدًا مباشرًا لأسس النظام الجمهوري، حيث سبق أن أعلن في أكتوبر 2024 رفضه القاطع لأي تعديل في المواد الأربع الأولى من الدستور، التي تحدد هوية الدولة التركية. وأضاف أن بهجلي يسعى لاستغلال ملف أوجلان لصالحه، إذ لا يهدف إلى إنهاء الإرهاب بقدر ما يسعى إلى منع أردوغان من تمرير دستور جديد قد يمنح الأكراد مزيدًا من الحقوق السياسية، ويمهد الطريق للانتقال من النظام الجمهوري “العلماني” الحالي إلى نظام “إسلامي” بحسب معايير أردوغان.
التوافقات مع واشنطن وصفقة السويد في الناتو
أكد أوسلو أن قرار تركيا بالموافقة على انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) جاء ضمن صفقة أوسع شملت ترتيبات مع الولايات المتحدة، حيث تم الاتفاق على تحجيم حزب العمال الكردستاني مقابل السماح لأنقرة بإعادة ترتيب المشهد الداخلي. وشدد على أن هذه التفاهمات شملت وقف العمليات المسلحة للحزب الكردستاني بوساطة أمريكية، وهو ما يفسر صمت أنقرة عن بعض التحركات الكردية الأخيرة في شمال سوريا.
وزعم أوسلو أن بهجلي، عندما أدرك أن واشنطن تسعى إلى تصفية حزب العمال الكردستاني بهدف سحب الذريعة من يد أردوغان ووضع اللمسات الأخيرة على الكيان الكردي في سوريا، سارع إلى التحرك، حيث بادر بهجلي إلى دعوة أوجلان إلى البرلمان وإعلان حل التنظيم المسلح، في محاولة للاستحواذ على زمام المبادرة وانتزاع الدور من أردوغان، وتحويل العملية إلى مسار يخدم مصالحه ومصالح الفئة التي يمثلها.
صراع بين مشروعين
خلص أوسلو إلى أن الصراع الحالي في تركيا ليس مجرد مواجهة مع حزب العمال الكردستاني، بل هو صراع بين مشروعين سياسيين مختلفين: الأول يقوده أردوغان -وحلفاؤه الإصلاحيون- داخل العدالة والتنمية، ويهدف إلى تمرير دستور جديد يمنح الأكراد مزيدًا من الحقوق، ونرع سلاح كل من حزب العمال الكردستاني وجناحه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي أو الحيلولة دون حكم ذاتي كردي على الأراضي السورية، وضمان ولاية جديدة لنفسه في الرئاسة. أما الثاني فيقوده بهجلي والقوميون، الذين يسعون إلى الحفاظ على بنية الدولة العميقة ومنع أي تغيير في هوية الجمهورية، حيث يطرحون معادلة تقوم على تخلي العمال الكردستاني عن السلاح في الداخل التركي فقط، مقابل منحه حكمًا ذاتيًا في سوريا، مع تقديم ضمانات لأردوغان تتيح له البقاء في السلطة، وذلك بشرط أساسي يتمثل في عدم المساس بالمواد الأربع الأولى من الدستور، مما يعني عمليًا الإبقاء على أسس “النظام القديم” دون تغيير.
ثم علق أوسلو على هذا التوازن الحساس قائلا: “أردوغان يجد نفسه محاصرًا بين ضغوط واشنطن لإعادة ترتيب المشهد الكردي، وضغوط حليفه بهجلي الذي يرفض أي تعديل دستوري يمس بالهوية التركية”
واختتم أوسلو بأن هذا الصراع، سواء أفضى إلى إطلاق سراح أوجلان أو بقاء الوضع كما هو عليه، سيظل محكومًا بتوازنات داخلية وإقليمية ودولية دقيقة تجعل مستقبل الحل السياسي في تركيا مفتوحًا على جميع الاحتمالات.
ويرى مراقبون أن كلا من هذين المشروعين لا يعتبر الاعتراف بالحقوق الأساسية للأكراد “غاية” تتطلبه المعايير الديمقراطية، بل يعتبره وسيلة لصفقة ينفذ كل طرف بفضلها مشروعه الشخصي والحزبي.

