في تطور يعد الأبرز في تاريخ الصراع الكردي–التركي الممتد منذ أكثر من أربعة عقود، نظم مقاتلو حزب العمال الكردستاني (PKK) يوم الجمعة حفلًا رمزيًا في إقليم كردستان العراق، أعلنوا فيه تدمير أسلحتهم، في خطوة تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها “التحول من الكفاح المسلح إلى النضال الديمقراطي”.
مراسم حرق السلاح: من بندقية إلى رمزية سلام
في محيط كهف “جاسانا” التاريخي بمحافظة السليمانية، وقف ثلاثون مقاتلًا ومقاتلة من صفوف حزب العمال الكردستاني بزيهم العسكري، مكشوفي الوجوه، أمام حشد من نحو 300 شخص، بينهم مسؤولون ومراقبون وصحفيون.
اللحظة الفارقة تمثلت في نزول كل مقاتل لوضع سلاحه –معظمها بنادق، إضافة إلى مدفع رشاش وقاذفة صواريخ– داخل حفرة أُشعلت فيها النار، فيما علت الهتافات وذرف بعض الحاضرين الدموع، في مشهد حمل رمزية إنهاء حقبة دموية طالت أكثر من اللازم.
بيان الكردستاني: “ندمر أسلحتنا بإرادتنا”
جاء في بيان رسمي أصدره الحزب خلال المراسم: “من أجل إنجاح عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، نقوم طوعًا بتدمير أسلحتنا، تعبيرًا عن حسن النية والإصرار. ونأمل أن تؤدي هذه الخطوة إلى السلام والحرية.”
أنقرة: “نقطة تحول لا عودة عنها”
أشاد مسؤول تركي رفيع بالخطوة، واصفًا إياها بأنها “تطور ملموس ومرحب به”، ضمن المرحلة الثالثة من عملية نزع السلاح، مضيفًا: “ننظر إلى هذا التطور كنقطة تحول لا يمكن التراجع عنها في طريق السلام.”
وتأتي هذه التصريحات في سياق مفاوضات غير مباشرة جرت على مدى أشهر بين السلطات التركية وزعيم الحزب المعتقل عبد الله أوجلان، بتسهيلات من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب.
أوجلان: “قوة السياسة بديل عن السلاح”
في بيان نُشر هذا الأسبوع، دعا عبد الله أوجلان، القابع في عزلة مشددة في سجن إيمرالي منذ عام 1999، إلى تطبيق مبدأ “قوة السياسة والسلام الاجتماعي”، مؤكدًا أن قرار نزع السلاح سيُنفذ بسرعة، وأن التحول إلى النضال السلمي هو الطريق لتحقيق حقوق الأكراد في تركيا.
خلفية الصراع: 40 عامًا من الدماء
بدأ حزب العمال الكردستاني تمرده المسلح ضد الدولة التركية عام 1984، مما أدى إلى مقتل أكثر من 40 ألف شخص، بينهم مدنيون وعسكريون ومقاتلون من الجانبين.
وعلى مدار العقود الماضية، اعتُبر الحزب “منظمة إرهابية” من قبل تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بينما ظل يُطالب بالحكم الذاتي وحقوق الأكراد الثقافية والسياسية.
توتر أمني قبل المراسم: طائرات مسيّرة تُسقط
عشية المراسم، أعلن مسؤولون محليون عن إسقاط طائرتين مسيّرتين بالقرب من قواعد لقوات البيشمركة الكردية، إحداهما في محافظة السليمانية والأخرى في كركوك، دون تسجيل إصابات. ولم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.
حضور رسمي وميداني لافت
شهدت المراسم مشاركة ممثلين عن رئاسة إقليم كردستان العراق بقيادة نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK)، إلى جانب نواب من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، وممثلين عن الاستخبارات التركية، وصحفيين محليين ودوليين.
من الهدنة إلى التفكك: تسلسل زمني
- 27 فبراير 2025: أطلق عبد الله أوجلان نداءً تاريخيًا لإنهاء العمل المسلح.
- 12 مايو 2025: أعلن حزب العمال الكردستاني حله رسميًا، متعهدًا بالتحول إلى نضال سياسي سلمي.
- يوليو 2025: تنفيذ مراسم حرق الأسلحة في كهف “جاسانا”، إيذانًا ببدء المرحلة الميدانية لنزع السلاح.
الموقف التركي
يرى مراقبون أن قرار حل الحزب وتدمير الأسلحة جاء في ظل ضعف التنظيم ميدانيًا، وتراجع قدرته على العمل المسلح، مما يجعل قرار نزع السلاح خطوة إلى الوراء أمام تصاعد الضغوط التركية.
ويُوظف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذه الخطوة للتأكيد على “انتصار الدولة” في صراعها الطويل ضد الحزب، معتبرًا أنها تمهيد لتسريع المسار السياسي مع المكوّن الكردي داخل البلاد.
دلالات رمزية: من الكهف إلى السياسة
اختيار “كهف جاسانا” كموقع للمراسم ليس عبثيًا؛ إذ كان هذا الموقع في السابق مركزًا لطباعة منشورات كردية سرية خلال سنوات القمع، ما يجعله رمزًا للنضال الثقافي والتحول نحو العمل السياسي.

