في المشهد السياسي التركي اليوم، لم يعد الحديث يدور حول مجرد أزمة سياسية أو صراع انتخابي، بل أصبح الأمر متعلقًا بطبيعة السلطة نفسها. لم نعد أمام حكومة شرعية تخضع للقوانين والدستور، بل أمام بنية سلطوية تتصرف كمنظمة غير شرعية، تنتهك المبادئ الأساسية للديمقراطية، وتسعى لترسيخ قبضتها على الدولة بكل الوسائل الممكنة.
تفكيك الديمقراطية وإحكام السيطرة
تواصل السلطة الحاكمة تقويض المؤسسات الديمقراطية وإفراغها من مضمونها، حيث لم يعد للقانون أو القضاء دور مستقل، بل تحولا إلى أدوات تُستخدم لتصفية الخصوم السياسيين وتكميم الأفواه. القضاء، الذي يُفترض أن يكون ضمانة للعدالة، بات وسيلة لشرعنة قرارات القمع، فيما تُستخدم الأجهزة الأمنية كأداة تخويف وتهديد ضد كل من يعارض السلطة.
تصعيد القمع ضد المعارضين
تتعدد أساليب التضييق على المعارضة، بدءًا من الاعتقالات التعسفية، إلى مداهمات الفجر التي تستهدف الناشطين والصحفيين والسياسيين، وانتهاءً بفرض الرقابة المشددة على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. لم يعد هناك مجال للاحتجاج السلمي، حيث تواجه التظاهرات السلمية بالقمع المفرط وإغلاق الساحات العامة، بل وحتى بإطلاق الرصاص الحي، في مشهد يعكس مدى تغوّل الدولة الأمنية.
الهيمنة الإعلامية وأدوات التضليل
تحولت وسائل الإعلام الرسمية والمُسيطر عليها إلى أدوات للدعاية، تُمارس التعتيم الإعلامي وتروّج للرواية الرسمية دون إفساح المجال لأي رأي مخالف. حتى وسائل الإعلام المستقلة، التي تحاول نقل الحقائق، تواجه ضغوطًا هائلة، تشمل التهديدات المباشرة وسحب التراخيص وتغريم القنوات التي تخرج عن الخط المرسوم.
محاولة القضاء على المعارضة وإغلاق المجال السياسي
الهدف الرئيسي من هذا القمع الممنهج هو ضمان استمرارية السلطة الحالية عبر القضاء على أي بديل سياسي محتمل. ويتجلى هذا بوضوح في اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، الذي يُعد من أبرز وجوه المعارضة، بتهم ملفقة تهدف إلى عزله سياسيًا وإضعاف جبهة المعارضة. ومع ذلك، فإن هذه الإجراءات لم تؤدِّ إلا إلى نتيجة عكسية، حيث وحّدت صفوف المعارضة وأشعلت احتجاجات واسعة داخل البلاد وخارجها.
مخاطر المرحلة المقبلة: المواجهة بين القمع والمقاومة الشعبية
إن هذا التصعيد السلطوي يضع تركيا على مفترق طرق خطير. فمن جهة، تستمر السلطة في تضييق الخناق على الحريات السياسية، ومن جهة أخرى، تزداد حدة الاحتجاجات الشعبية، مدفوعة بالأوضاع الاقتصادية المتدهورة وتنامي الوعي الجماهيري بضرورة التغيير. المعارضة، التي كانت سابقًا مترددة في اتخاذ مواقف أكثر صلابة، باتت اليوم مضطرة للتفاعل مع الحراك الشعبي، خاصة بعدما أدركت أن الخطاب التقليدي والاحتجاجات الرمزية لم تعد كافية لمواجهة نظام لم يعد يعترف بأي قواعد ديمقراطية.
أي مستقبل ينتظر تركيا؟
إن ما يجري اليوم في تركيا ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو تحول عميق يحدد مستقبل البلاد. فإما أن تتمكن القوى الديمقراطية من حشد صفوفها وتنظيم مقاومة فعالة ضد القمع، كما حدث مؤخرًا في بعض دول المنطقة، وإما أن تدخل البلاد في مرحلة أكثر قتامة من الحكم السلطوي والقمع الممنهج. لكن دروس التاريخ تؤكد أن الأنظمة التي تقوم على القمع والترهيب لا يمكنها الاستمرار إلى الأبد، وأن إرادة الشعوب، مهما بدا أنها مقموعة، تظل القوة الحاسمة في نهاية المطاف.
المصدر: صفحة الكاتب والمحلل السياسي التركي جان دوندار على يوتيوب

