كشف الصحفي التركي البارز أرطغرل أوزكوك في مقال نُشر على موقع T24 عن واقعة غير مسبوقة حدثت داخل مقر جهاز الاستخبارات الوطنية التركية في إسطنبول صباح 7 أكتوبر 2023، بالتزامن مع هجمات حركة حماس على إسرائيل.
التقرير الذي تزامن مع نشر نتائج استطلاعين للرأي حول الموقف الشعبي من سياسة الحكومة التركية تجاه غزة، يسلّط الضوء على مفارقة لافتة بين المشهد الداخلي في جهاز الاستخبارات وبين الرأي العام التركي بعد عام من تلك الأحداث.
استطلاعات الرأي: سياسة غزة تُقابل برفض شعبي واسع
أوضح أوزكوك في مقاله أنّ شركتي استطلاع موثوقتين – كوندا وبانوراما – كشفتا عن تراجع حاد في ثقة الشارع التركي بسياسة الحكومة تجاه غزة.
ووفقًا للنتائج التي نشرها، نحو ثلثي الأتراك يعتبرون أن سياسة الحكومة تجاه غزة فشلت، في حين لا تتجاوز نسبة من يرونها ناجحة ربع المستطلعين.
اللافت أن نسبة الانتقاد ارتفعت بست نقاط مئوية خلال شهرين فقط، وهو ما يعكس تزايد شعور الشارع بخيبة الأمل من الأداء السياسي التركي في هذا الملف.
أما المفارقة الكبرى، فهي أن نسبة معتبرة من أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم وكذلك من قاعدته القومية (حزب الحركة القومية)، أبدوا موقفًا سلبيًا من السياسة الحكومية، إذ عبّر أكثر من ثلث مؤيدي الحزب الأول ونحو نصف مؤيدي الثاني عن قناعتهم بفشل تلك السياسة.
يرى أوزكوك أن هذه الأرقام تمثل انتكاسة سياسية حقيقية، خصوصًا وأن الرئيس رجب طيب أردوغان قاد شخصيًا الجهود الدبلوماسية المتعلقة بغزة، محاولًا إبراز دور تركي مؤثر على المستويين الإقليمي والدولي.
7 أكتوبر داخل مبنى الاستخبارات: لحظة مفصلية
يتناول أوزكوك في الجزء الثاني من مقاله مشهدًا داخليًا مثيرًا حدث صباح السابع من أكتوبر 2023 داخل مقر جهاز الاستخبارات التركية في إسطنبول، حيث كان يجتمع مسؤولون أتراك مع وفد من الذراع السياسية لحركة حماس.
وخلال اللقاء، وردت أنباء عاجلة عن الهجوم المفاجئ الذي شنته كتائب القسام داخل إسرائيل، والذي أسفر – بحسب المعلومات الأولية في تلك اللحظات – عن مقتل ما لا يقل عن ألف شخص.
عقب سماع الخبر، عمّ الصمت أرجاء القاعة، ثم انفجر وفد حماس بالتهليل والتكبير فرحًا بالهجوم، فيما اكتفى عناصر الاستخبارات التركية بالصمت والمراقبة. عندها، تحدث أحد كبار مسؤولي الاستخبارات بلهجة هادئة لكنها حاسمة، موجّهًا سؤالًا بدا استراتيجيًا أكثر من كونه استفسارًا سياسيًا: “لقد نفذتم عملية ضخمة وغير متوقعة، ولكن ما هي الخطوة التالية؟ هل فكرتم في المرحلة الثانية؟”
وفقًا لما نقله أوزكوك، لم يتلقَّ المسؤول التركي أي إجابة من وفد حماس، مما دفعه لمواصلة التحليل قائلاً: “لقد جعلتم الآن الصراع 1-0 لصالحكم، لكن إسرائيل لن تكتفي بجعله 1-1، بل ستقلب النتيجة إلى 10-1 أو أكثر. هل لديكم خطة لمواجهة ذلك؟”
الصمت الذي أعقب هذا السؤال كشف، بحسب أوزكوك، أن القيادة السياسية لحماس لم تكن على دراية كاملة بتفاصيل العملية العسكرية، ولم تمتلك تصورًا واضحًا للمرحلة التالية، وهو ما أدركته الاستخبارات التركية في تلك اللحظة الحاسمة.
الموقف الاستخباراتي التركي
التحليل الذي نقلته مصادر أوزكوك يوضح أن الاستخبارات التركية استوعبت باكرًا حجم الفجوة بين جناحي حماس السياسي والعسكري، وأن العملية كانت تحمل في طياتها تداعيات استراتيجية لم تكن الحركة مستعدة لمواجهتها.
كما أن موقف الاستخبارات التركية داخل الاجتماع لم يكن انفعالياً أو انحيازيًا، بل اتسم بالعقلانية التحليلية، إدراكًا بأن الهجوم سيفتح الباب أمام رد إسرائيلي غير مسبوق، وهو ما تحقق لاحقًا في شكل حرب مدمرة استمرت لشهور طويلة، وأدت إلى تدهور غير مسبوق في الوضع الإنساني في غزة.

