كشفت صحيفة “هاندلسبلات” الألمانية أن الحكومة الألمانية قررت تجميد صفقة لتوريد نحو 30 مقاتلة من طراز “يوروفايتر تايفون” إلى تركيا، وذلك عقب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، أبرز وجوه المعارضة التركية والمنافس المحتمل للرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وقد اعتُقل إمام أوغلو في 23 مارس/آذار بتهم تتعلق بالفساد، وهي اتهامات وصفتها دوائر واسعة في الداخل والخارج بأنها ذات دوافع سياسية. وكان قد احتُجز في 19 مارس، ما أشعل احتجاجات حاشدة هي الأكبر في البلاد منذ مظاهرات “غيزي بارك” عام 2013، وأثار موجة تنديد دولية، لا سيما من الحكومة الألمانية التي اعتبرت أن “الاعتقال يمثّل اعتداءً على الديمقراطية التركية”.
الصفقة العسكرية في مهبّ السياسة
تُعد المقاتلات “يوروفايتر تايفون” مشروعاً أوروبياً مشتركاً بين ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا، ويتطلّب تصديرها موافقة جماعية من جميع الدول الأعضاء. وكانت تركيا تخطط لشراء 40 مقاتلة، بواقع 20 من الطراز الأساسي “Tranche 1” من بريطانيا، و20 من الطراز المتقدم “Tranche 4″، في إطار مساعيها لتحديث أسطولها الجوي بحلول عام 2030.
وكان المستشار الألماني أولاف شولتس قد أحرز تقدماً في مفاوضات سرية مع أردوغان لتمرير الصفقة، إلا أن تطورات الوضع السياسي في تركيا واعتقال إمام أوغلو أدّيا إلى نسف هذه الجهود. وقد امتنعت الحكومة الألمانية عن التعليق المباشر على التقرير، واكتفت بقول متحدثها الرسمي: “كقاعدة عامة، لا نعلّق على النقاشات الداخلية للحكومة”.
ارتدادات محتملة على الناتو والأمن الأوروبي
يأتي القرار الألماني في توقيت بالغ الحساسية، إذ تلعب تركيا دوراً محورياً في الجناح الجنوبي الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتنامي التهديد الروسي. ويحذر محللون من أن تعطيل الصفقة قد يُضعف القدرات الدفاعية التركية، ويزيد من التوتر داخل الناتو، في وقت تسعى فيه أوروبا لتعزيز التنسيق الدفاعي عبر مبادرات مشتركة.
وتسعى أنقرة في الوقت نفسه إلى تعويض النقص عبر بدائل أخرى، منها مشروع الطائرة المحلية “قان” (Kaan)، التي قامت بأولى طلعاتها الجوية عام 2024، بالإضافة إلى العودة المحتملة إلى برنامج المقاتلة الأمريكية “F-35″، خصوصاً بعد عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية. إلا أن هذه العودة ما زالت مشروطة بتخلّي تركيا عن منظومة الدفاع الروسية “S-400″، وهو ما لم تُبدِ أنقرة استعداداً له حتى الآن.
خلافات أوروبية حول صادرات السلاح
تكشف هذه الحادثة عن الانقسامات داخل منظومة “يوروفايتر”، إذ مثّلت المواقف المتشددة لألمانيا حيال تصدير الأسلحة مصدر خلاف مع شركائها، خاصة بريطانيا وإيطاليا. ورغم محاولات متكررة لتوحيد سياسات تصدير السلاح على مستوى الاتحاد الأوروبي، فإنها لم تحقق تقدماً ملموساً.
وفي السياق ذاته، طرحت برلين مشروع “مبادرة درع السماء الأوروبية” (ESSI) كمقترح بديل يشمل تركيا واليونان، ويقوم على إنشاء منظومة دفاع صاروخي أوروبية موحّدة، مع إمكانية تزويد أنقرة بمنظومات “باتريوت” الأمريكية كبديل عن “S-400”. وقد اقترحت تركيا إدراج أنظمتها الدفاعية المحلية ضمن هذا الإطار المشترك.
تباين داخلي في المواقف الألمانية
على الصعيد الداخلي، تأتي هذه التطورات وسط تحولات سياسية في ألمانيا، حيث تعمل الحكومة الانتقالية المشكلة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) وحزب الخضر، بعد انهيار تحالفها السابق مع الحزب الديمقراطي الحر. وفي الانتخابات التي جرت في فبراير/شباط الماضي، تصدّر تحالف الاتحاد المسيحي الديمقراطي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CDU/CSU) النتائج، وتمكّن من تشكيل ائتلاف مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وبينما يُبدي حزب الاتحاد المسيحي تأييده لصفقة “يوروفايتر”، يواصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي معارضته لها. وقد أفادت تقارير إعلامية بأن زعيم الحزب المسيحي الديمقراطي، فريدريش ميرتس، ينوي استخدام الصفقة كورقة ضغط على أردوغان، من خلال ربط إتمامها بإطلاق سراح إمام أوغلو.
مبيعات السلاح مستمرة رغم الخلافات
رغم التوترات السياسية، لا تزال تركيا واحدة من أكبر زبائن الصناعات الدفاعية الألمانية. وتشير بيانات أولية لعام 2024 إلى أن قيمة صادرات الأسلحة الألمانية إلى تركيا بلغت نحو 231 مليون يورو، شملت الطوربيدات والصواريخ الموجّهة وقطعاً للغواصات، ما جعل أنقرة خامس أكبر مستورد للسلاح من ألمانيا. وخلال الفترة من 2020 إلى 2024، احتلت ألمانيا المرتبة الثالثة بين مورّدي الأسلحة لتركيا، بعد كل من إسبانيا وإيطاليا.
تجسّد هذه الأزمة التشابك المعقّد بين السياسة والدفاع في العلاقات التركية الأوروبية، حيث تتداخل الحسابات الاستراتيجية مع الاعتبارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لتنتج واقعاً دقيقاً تتفاوت فيه المصالح وتتصارع فيه القيم.

