أدخل سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، واشنطن في عاصفة سياسية ودبلوماسية جديدة، بعدما تبنّى في مقابلة إعلامية قراءة دينية لنص توراتي تُجيز – وفق تفسيره – امتداد إسرائيل جغرافيًا بين نهري النيل والفرات، بما يشمل أجزاء واسعة من الشرق الأوسط. التصريح، الذي جاء خلال حوار مع الإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون، لم يُفهم في المنطقة باعتباره رأيًا شخصيًا معزولًا، بل كإشارة سياسية بالغة الحساسية صدرت عن ممثل رسمي لواشنطن في تل أبيب.
في المقابلة التي بُثّت ضمن حلقة بودكاست حديثة، سُئل هاكابي عن تفسيره لآية في سفر التكوين تُنسب إلى بني إسرائيل حقًا في أرض تمتد من النيل إلى الفرات. فأجاب: “أعتقد أن هذا صحيح… سيكون من الجيد لو أخذوه كله”. هذا الرد المختصر، بقدر ما بدا عفويًا، فجّر ردود فعل واسعة، لأنه صدر عن سفير عيّنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2025، ويُفترض أن يعكس الخطوط العامة للسياسة الخارجية الأميركية.
سياق إقليمي شديد الهشاشة
جاءت التصريحات في لحظة إقليمية معقدة: الحرب في غزة مستمرة، والضفة الغربية تشهد تصاعدًا في المواجهات، فيما تواصل إسرائيل توسيع إجراءاتها الرامية إلى إحكام السيطرة على أراضٍ احتلتها منذ عام 1967. كما أن إسرائيل أعلنت قبل عقود ضم القدس الشرقية، إضافة إلى جزء من مرتفعات الجولان السورية، في خطوات لم تحظ باعتراف دولي واسع.
في هذا المناخ المشحون، يُنظر إلى أي خطاب يضفي مشروعية دينية على التوسع الإقليمي باعتباره عنصرًا مضاعفًا للتوتر، لا سيما أن أطروحة “إسرائيل الكبرى” عادت للظهور خلال العامين الأخيرين في خطاب بعض التيارات اليمينية الإسرائيلية. غير أن تبني سفير أميركي لهذا الطرح – ولو ضمنيًا – عُدّ سابقة غير معهودة في الخطاب الدبلوماسي الأميركي المعاصر.
إجماع عربي وإسلامي نادر في لهجته
رد الفعل العربي والإسلامي جاء واسعًا ومتعدد الأطراف. بيان مشترك صدر عن دول عربية وإسلامية عدة، من بينها الإمارات ومصر والأردن والسعودية وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عُمان وسوريا ولبنان وفلسطين، إلى جانب إندونيسيا وباكستان وتركيا، فضلًا عن مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، دان التصريحات بشدة واعتبرها انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة واستقرارها.
اللغة المستخدمة في البيانات الرسمية اتسمت بحدة غير مألوفة في توصيفها لموقف صادر عن مسؤول أميركي. السعودية وصفت التصريحات بأنها غير مسؤولة وتشكل سابقة خطيرة، فيما اعتبرها الأردن مساسًا بسيادة دول المنطقة وانتهاكًا للأعراف الدبلوماسية. مصر شددت على أنه لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية، مؤكدة رفضها القاطع لأي محاولات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة.
الكويت رأت في التصريحات مخالفة واضحة لمبادئ القانون الدولي، بينما حذّرت سلطنة عُمان من أنها تقوض فرص السلام وتهدد الاستقرار الإقليمي. العراق بدوره اعتبرها تجاوزًا خطيرًا يمس بسيادة الدول ووحدة أراضيها. جامعة الدول العربية وصفتها بأنها بالغة التطرف ومخالفة لأبجديات الدبلوماسية، ورأت أنها تستهدف مغازلة جمهور يميني في إسرائيل بما يؤجج المشاعر الدينية والوطنية. أما منظمة التعاون الإسلامي فاعتبرتها دعوة مرفوضة لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ فلسطينية وعربية.
السلطة الفلسطينية أكدت أن تصريحات هاكابي تتناقض مع موقف الرئيس الأميركي المعلن برفض ضم الضفة الغربية، ودعت الإدارة الأميركية إلى توضيح رسمي يؤكد التزامها بالمواقف المعلنة بشأن إحلال السلام ورفض الضم.
ومن خارج الإطار العربي، اعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية أن تصريحات السفير تكشف “تواطؤًا أميركيًا نشطًا” فيما وصفته بحروب عدوان توسعية إسرائيلية.
بين الموقف الرسمي والتصريح الفردي
حتى الآن، لم يصدر عن الإدارة الأميركية موقف مباشر يتناول عبارة “من النيل إلى الفرات”. هاكابي نشر لاحقًا توضيحات على منصة إكس تناولت قضايا أخرى نوقشت في المقابلة، مثل تعريف الصهيونية، لكنه لم يعد إلى تصريحاته المتعلقة بالامتداد الجغرافي.
السياسة الخارجية الأميركية، كما تعلنها عادة وزارة الخارجية، تؤكد دعم حل الدولتين وترى أن الحدود النهائية لإسرائيل يجب أن تُحسم عبر المفاوضات، مع احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. غير أن صدور خطاب ديني-سياسي توسعي عن سفير معتمد يخلق فجوة بين الرسالة الرسمية والممارسة الخطابية، ويضعف صورة واشنطن كوسيط نزيه.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس قانونيًا فحسب، بل سياسي واستراتيجي: هل يُعدّ ما قاله هاكابي انحرافًا فرديًا عن الخط الرسمي، أم أنه يعكس تيارًا فكريًا داخل بعض الأوساط الأميركية يسعى إلى إعادة تعريف الصراع بمنظور ديني عقائدي؟
جذور فكرية وتداخل الدين بالسياسة
مايك هاكابي، وهو قس معمداني سابق، معروف بمواقفه المؤيدة بقوة لإسرائيل وبتشكيكه في واقعية قيام دولة فلسطينية مستقلة بصيغتها المتداولة دوليًا. كما أثار سابقًا جدلًا حين رفض الإقرار بكون القدس الشرقية جزءًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة، واعتبر القدس “عاصمة أبدية لإسرائيل”.
هذه الخلفية تجعل تصريحاته الأخيرة امتدادًا لسجل فكري وسياسي سابق، لا حدثًا معزولًا. إلا أن الخطورة تكمن في أن المزج بين التفسير الديني والنزاع السياسي يضفي على الصراع طابعًا وجوديًا، ويصعّب إخضاعه لمنطق التسويات التفاوضية. فعندما تتحول الحدود إلى مسألة عقائدية، تتراجع مساحة البراغماتية السياسية، ويتحول أي تنازل إلى “تفريط بالمقدس”.
تداعيات محتملة على الوساطة الأميركية
التصريحات تضع الإدارة الأميركية أمام اختبار دقيق. في حال تجاهلها، قد تُفهم كقبول ضمني، ما يعمّق الشكوك العربية والإسلامية في حياد واشنطن. وفي حال التبرؤ الواضح منها، فإن ذلك سيُبرز التباين بين الخط الرسمي وبعض ممثليه، لكنه قد يحدّ من الضرر.
إقليميًا، يُنظر إلى مثل هذا الخطاب كتهديد لفكرة السيادة الوطنية، وكإيحاء بإعادة رسم خرائط معترف بها دوليًا. وفي بيئة مشحونة أصلًا بالحروب والاستقطاب، يمكن لمثل هذه التصريحات أن تغذي خطاب التطرف لدى مختلف الأطراف، وتُضعف فرص العودة إلى مسار تفاوضي مستقر.
أما على مستوى صورة الولايات المتحدة، فإن أي تضارب بين تصريحات مسؤوليها وخطابها الرسمي يُقوّض الثقة في قدرتها على لعب دور الوسيط، خاصة في نزاع يُعدّ من أكثر النزاعات حساسية في النظام الدولي المعاصر.
أزمة عابرة أم مؤشر على تحوّل أعمق؟
قد يرى البعض فيما قاله هاكابي زلة خطابية في مقابلة إعلامية، لكن حجم ردود الفعل الإقليمية والدولية يعكس إدراكًا بأن الكلمات في هذا السياق ليست تفصيلًا. فالصراع في الشرق الأوسط ليس صراعًا على الأرض فقط، بل على الشرعية والرواية والاعتراف.
تصريح السفير الأميركي يكشف هشاشة التوازن بين خطاب رسمي يسعى إلى الحفاظ على مسافة دبلوماسية، وخطاب أيديولوجي يستند إلى مرجعيات دينية لتبرير سياسات توسعية. وبين هذين المستويين، تقف واشنطن أمام معضلة: كيف تحافظ على صدقيتها كوسيط، فيما يصدر عن ممثليها ما يُفهم في المنطقة كتأييد لمشاريع تتجاوز القانون الدولي؟
الخلاصة
تصريحات مايك هاكابي حول الامتداد التوراتي لإسرائيل فجّرت أزمة دبلوماسية واسعة، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول حياد واشنطن ودورها في الصراع العربي–الإسرائيلي. الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الإدارة الأميركية على الفصل الواضح بين الرؤية الأيديولوجية الفردية والالتزام الرسمي بالقانون الدولي وحل الدولتين.

