شهدت العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي تصعيداً سياسياً جديداً عقب صدور قرارين عن البرلمان الأوروبي تضمّنا انتقادات حادة لأنقرة، ما دفع الحكومة التركية إلى الرد بوصف تلك المواقف بأنها “مضلِّلة” وتمثل تدخلاً في شؤونها الداخلية.
قرارات أوروبية تنتقد الدور التركي في شمال شرقي سوريا
أقرّ البرلمان الأوروبي قراراً يدين أعمال العنف التي طالت مدنيين في شمال شرقي سوريا، ودعا الجهات الإقليمية الفاعلة، وعلى رأسها تركيا، إلى الامتناع عن أي خطوات قد تُفضي إلى خرق وقف إطلاق النار، سواء عبر عمليات عسكرية مباشرة أو من خلال دعم مجموعات مسلحة تنشط في المنطقة.
القرار الأوروبي وضع التحركات التركية تحت مجهر المساءلة السياسية، في ظل استمرار التوترات الميدانية في مناطق ذات غالبية كردية، وهي مناطق شكّلت خلال سنوات الحرب السورية ساحة صراع معقدة بين قوى محلية وإقليمية ودولية.
أنقرة ترفض الاتهامات: تجاهل للوقائع وتغافل عن دورها في الاستقرار
وزارة الخارجية التركية ردّت ببيان شديد اللهجة اعتبرت فيه أن القرار الأوروبي المتعلق بسوريا يتجاهل الدور الذي تؤديه أنقرة في دعم مسار التعافي وإعادة الاستقرار في البلاد. ودعت البرلمان الأوروبي إلى قراءة “الوقائع على الأرض” بصورة أدق، وفهم تطلعات السوريين بدلاً من تبني قرارات وصفتها بأنها مبنية على نوايا غير سليمة وتقديرات خاطئة.
الموقف التركي شدّد كذلك على أن أنقرة لاعب رئيسي في المعادلة السورية الراهنة، لا سيما بعد بروزها حليفاً محورياً للقيادة الجديدة في دمشق، ودعمها الهجوم الذي أطلقته هذه القيادة في يناير ضد القوات الكردية في الشمال.
تحولات ميدانية: اتفاق دمج “قسد” في الجيش السوري
تأتي هذه التطورات في سياق إعادة تشكيل التوازنات داخل سوريا. فالقوات الكردية التي تقودها “قوات سوريا الديمقراطية” كانت الشريك المحلي الأبرز للتحالف الدولي بقيادة غربية في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، لكنها واجهت ضغوطاً متزايدة من دمشق خلال المرحلة الأخيرة.
وبموجب اتفاق أُعلن عنه هذا الشهر، تستعد هذه القوات للاندماج ضمن الجيش السوري، ما يُنهي فعلياً الطموح الكردي في الحفاظ على كيان إداري ذي حكم ذاتي شمالي وشمالي شرقي البلاد، وهو الكيان الذي تشكّل خلال سنوات الحرب الممتدة من عام 2011 حتى 2024. هذا التحول يعكس إعادة تموضع سياسي وعسكري يُعيد رسم خريطة النفوذ الداخلي، ويعزز قبضة السلطة المركزية بدعم حلفائها.
قرار أوروبي ثانٍ يثير حساسية سيادية
إلى جانب الملف السوري، صادق البرلمان الأوروبي على قرار منفصل انتقد فيه ما وصفه بـ”مضايقات” تتعرض لها فئات من الصحفيين الأجانب والمسيحيين الأجانب في تركيا تحت ذرائع تتعلق بالأمن القومي.
أنقرة رفضت هذه الاتهامات جملةً وتفصيلاً، مؤكدة أن ما ورد في القرار يتعارض مع الوقائع. وشدّدت وزارة الخارجية على أن أي إجراءات قضائية تُتخذ داخل البلاد تخضع للقانون الوطني، وأنه لا يحق لأي مؤسسة أجنبية، بما في ذلك البرلمان الأوروبي، التدخل في مسارات قضائية جارية.
خلفية سياسية أوسع: علاقة متقلبة وتباينات استراتيجية
التصعيد الحالي يندرج ضمن سياق أوسع من التباينات بين تركيا والاتحاد الأوروبي بشأن ملفات إقليمية وحقوقية. ففي حين ترى بروكسل أن سلوك أنقرة في سوريا وفي الداخل التركي يستوجب الرقابة والانتقاد، تعتبر تركيا أن الاتحاد يتبنى مواقف سياسية منحازة، ويتغافل عن التحديات الأمنية التي تواجهها، سواء على حدودها الجنوبية أو في الداخل.
التحولات الجارية في سوريا، ولا سيما إعادة دمج القوى الكردية ضمن مؤسسات الدولة، تضع أنقرة في موقع أكثر تأثيراً في رسم ملامح المرحلة المقبلة، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة التوتر مع العواصم الأوروبية التي تراقب إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.
خلاصة
التوتر بين أنقرة والبرلمان الأوروبي يعكس صراعاً سياسياً يتجاوز بيانات الإدانة، ليطال تبايناً عميقاً في الرؤية بشأن مستقبل شمال شرقي سوريا وحدود السيادة القضائية داخل تركيا. ومع إعادة تشكيل المشهد السوري واندماج القوى الكردية في الجيش، تبدو العلاقات التركية الأوروبية مرشحة لمزيد من الاحتكاك الدبلوماسي في المرحلة المقبلة.

