يطرح الكاتب والباحث الأكاديمي التركي أيدوغان وطنداش قراءة نقدية موسعة للأطروحات التي قدّمها الباحث الأمريكي جوناثان ليونز حول ما يسميه “فقدان الذاكرة الجماعي” في السردية الغربية لتاريخ العلم. ويرى وطنداش أن النقاش لا يتعلق بمجرد إغفال تاريخي عابر، بل ببنية معرفية متكاملة أعادت صياغة أصول الحداثة العلمية بطريقة تُقصي الإسهام الإسلامي أو تُعيد تصنيفه بوصفه مجرد حلقة نقل لا حلقة إنتاج.
سردية التفوق الذاتي وإعادة كتابة النسب العلمي
بحسب تحليل وطنداش، فإن الخطاب الغربي الحديث حول نشأة العلم يقوم على تصور حضاري مغلق يقدّم أوروبا باعتبارها نقطة الانطلاق والاكتفاء الذاتي. هذه السردية تفترض انتقالاً مباشراً من اليونان القديمة إلى عصر النهضة ثم التنوير، متجاوزة قروناً من التراكم المعرفي الذي شهدته مراكز العلم في بغداد ودمشق وقرطبة وسمرقند.
ويشير وطنداش، استناداً إلى طرح ليونز، إلى أن الإشكال لا يكمن في غياب الأدلة، إذ إن الوثائق والمخطوطات والآثار اللغوية والمؤسساتية تؤكد حجم التأثير الإسلامي، بل في آلية الاعتراف ذاتها: من يملك سلطة تعريف ما يُعدّ “إسهاماً أصيلاً” وما يُصنّف كـ”نقل”؟ هنا يتحول تاريخ العلم، وفق هذا المنظور، من سجل للاكتشافات إلى سجل للملكية الرمزية.
أثر إسلامي ممتد في اللغة والمؤسسات والمعرفة
يلفت وطنداش إلى أن البصمة الإسلامية في بنية العلم الأوروبي ليست خفية. مفردات مركزية في العلوم الحديثة تعود بأصولها إلى العربية: “الخوارزمية” المشتقة من اسم العالم محمد بن موسى الخوارزمي، “السمت” و”الذروة” في علم الفلك، “الصفر” الذي انتقل عبر الوسيط الإسلامي إلى أوروبا، إضافة إلى مصطلحات بحرية وإدارية مثل “أميرال” و”دار الصناعة” التي تحولت إلى “أرسنال”، و”تعريفة” التي صارت “تعرفة”. حتى أسماء نجوم مثل “بيت الجوزاء” ما تزال شاهدة على انتقال معرفي عابر للقارات.
غير أن وطنداش يؤكد أن المسألة لا تتعلق بأصول الكلمات بقدر ما تتعلق بذاكرتها؛ فاستعمال المصطلح لا يعني استحضار سياقه التاريخي، ما يسهّل فصل المنتج عن منتجه الأصلي.
ما وراء “النسيان”: صناعة جهل منظّم
يذهب وطنداش، ناقلاً عن ليونز، إلى أن ما جرى لا يمكن تفسيره بجهل بسيط، بل بعملية انتقاء واعٍ. فمنذ الحروب الصليبية ترسخت في الوعي الأوروبي صورة مضادة للإسلام بوصفه نقيضاً للذات الغربية. ومع عصر النهضة، برز تيار إنساني سعى إلى إعادة وصل أوروبا مباشرة بالتراث اليوناني–الروماني، مع تقليص دور الوسيط الإسلامي.
في هذا السياق، تُعرض الحضارة الإسلامية كجسر عبور لا كمختبر إنتاج. ويرى وطنداش أن هذا التصور استند إلى فرضيتين راسختين في بعض مدارس تاريخ العلم: أن المسلمين ناقلون لا مبدعون، وأن النشاط العلمي في العالم الإسلامي توقف مبكراً بفعل “ردة فعل دينية”. ويؤكد أن هذه الفرضيات باتت موضع مراجعة أكاديمية متزايدة.
فوكو وحدود “الحقيقة الممكنة“
يستحضر وطنداش تحليلات ميشيل فوكو ليشير إلى أن قبول فكرة ما لا يتوقف على قوتها البرهانية فقط، بل على انتمائها إلى ما يُسمح باعتباره “حقيقة ممكنة” داخل النظام المعرفي السائد. ومن ثم، فإن فرضيات تتعلق بتأثير عميق للعلوم الإسلامية على الثورة العلمية الأوروبية قد تُقصى ليس لضعفها، بل لعدم انسجامها مع البنية السردية المهيمنة.
هنا يصبح الجدل إبستمولوجياً وسياسياً في آن واحد، إذ يتداخل إنتاج المعرفة مع توازنات القوة والهوية.
طليطلة والرحلة المعاكسة: أوروبا المتعلمة من الشرق
يشير وطنداش إلى أمثلة تاريخية لعلماء أوروبيين قصدوا المراكز الإسلامية طلباً للعلم في القرن الثاني عشر، مثل أديلارد الباثي ودانيال المورلي، اللذين توجها إلى طليطلة وغيرها لاستيعاب المعارف الرياضية والفلكية. هؤلاء لم يعودوا بنصوص مترجمة فحسب، بل بمنهجية علمية، تشمل أدوات الرصد الفلكي، والرياضيات التطبيقية، والتجريب.
ويؤكد وطنداش أن إحدى النقاط الجوهرية في طرح ليونز تكمن في أن العلاقة بين العلم والدين في السياق الإسلامي لم تُبنَ على صراع بنيوي، بل على تصور يرى في دراسة الطبيعة سبيلاً لفهم الخلق الإلهي، وهو ما يضع نموذج “الصراع الحتمي بين الدين والعلم” في سياقه الأوروبي الخاص لا كقاعدة كونية.
كوبرنيكوس والسؤال المؤجل
في مناقشة ملف كوبرنيكوس، يبرز وطنداش الجدل الأكاديمي حول احتمال تأثره بأعمال فلكيين مسلمين، مشيراً إلى أن بعض الدراسات طرحت قرائن على انتقال نماذج رياضية عبر قنوات متعددة. إلا أن هذا الطرح، كما يذكر، ظل مثار تحفظ في بعض الدوائر، في ظل تمسك بسردية تجعل الثورة الكوبرنيكية قطيعة خالصة مع الماضي.
ويؤكد أن النقاش لم يُحسم، لكنه يكشف حساسية إعادة إدراج الفاعل الإسلامي في لحظة تأسيسية من تاريخ العلم الحديث.
مخطوطات غير مقروءة وإرث معلق
يلفت وطنداش إلى وجود مئات الآلاف من المخطوطات العلمية الإسلامية التي لم تُدرس بعد دراسة شاملة، ما يعني أن خريطة التأثير المعرفي ما تزال مفتوحة. ويورد أمثلة على إسهامات ابن النفيس في الدورة الدموية الصغرى، وابن الهيثم في البصريات والمنهج التجريبي، والجزري في الهندسة الميكانيكية، باعتبارها نماذج لإنتاج علمي أصيل لم يُدمج دائماً في السردية العامة لتاريخ العلم.
نحو مراجعة منهجية لا رومانسية
يخلص وطنداش إلى أن الدعوة ليست إلى قلب المعادلة وادعاء تفوق مقابل، بل إلى تعليق الأحكام المسبقة وفتح المجال أمام أسئلة أكثر إنتاجية: عبر أي قنوات انتقلت الأفكار؟ كيف أُعيدت صياغتها؟ ولماذا حُجبت بعض المسارات عن الضوء؟
ويرى أن إعادة قراءة تاريخ العلم على هذا النحو لا تُضعف أحداً، بل تعزز الفهم المتبادل، وتُخرج النقاش من ثنائية الاتهام أو التمجيد إلى أفق بحثي أوسع.
يرى أيدوغان وطنداش أن الجدل حول إسهام الحضارة الإسلامية في نشأة العلم الحديث يتجاوز مسألة الوقائع إلى آليات الاعتراف والسلطة المعرفية. إعادة فحص السردية التقليدية لتاريخ العلم قد تفتح باباً لمقاربة أكثر توازناً وثراءً للتراث الإنساني المشترك.

