أقدم الرئيس رجب طيب أردوغان على إجراء تعديل لافت في وزارة الداخلية، منهياً ولاية علي يرلي قايا بعد أكثر من عامين ونصف في المنصب، ومكلّفاً محافظ أرضروم مصطفى تشيفتشي بحقيبة تُعد من أكثر الوزارات حساسية في هيكل الدولة التركية. القرار أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً حول التوازن بين الدولة المدنية والإرث الديني، في ظل قراءة معارضة ترى في التعيين مؤشراً على تصعيد في خطاب الهوية.
وزارة سيادية في قلب معادلة الأمن والسلطة
وزارة الداخلية في تركيا ليست حقيبة تنفيذية عادية، بل تمسك بمفاصل الأمن الداخلي، وتشرف على الشرطة الوطنية، والدرك، والإدارة المحلية في الولايات، كما تضطلع بملفات النظام العام، والهجرة، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. ومن ثمّ، فإن أي تغيير على رأسها يُقرأ سياسياً وأمنياً باعتباره إعادة تموضع في أولويات الحكم.
تشيفتشي، البالغ من العمر خمسة وخمسين عاماً، صرّح عقب تعيينه بأنه تسلّم “مسؤولية ثقيلة”، طالباً الدعاء، ومضيفاً عبارة ذات دلالة دينية: “ليكن الله معنا وليعنّا”. هذه الصيغة، وإن كانت مألوفة في الخطاب المحافظ، اعتبرها بعض المنتقدين امتداداً لصورة عامة يرون أنها تعكس خلفيته الفكرية.
مسار إداري وخلفية أكاديمية مزدوجة
الوزير الجديد ينتمي إلى سلك البيروقراطية المهنية، إذ شغل مناصب قائمقام في خمس مناطق مختلفة، ثم تولى ولاية تشوروم قبل أن يُعيّن محافظاً لأرضروم في آب من عام 2023. دراسته الأساسية كانت في الإدارة العامة بجامعة أنقرة، قبل أن يُكمل لاحقاً دراسة في العلوم الشرعية.
إلى جانب مساره الإداري، يُعرف تشيفتشي بأنه “حافظ” للقرآن الكريم، وقد فاز عام 2024 بفئة على المستوى الوطني في مسابقة لحفظ القرآن نظّمتها رئاسة الشؤون الدينية، كما صرّح في أكثر من مناسبة بأنه يخصص ساعة يومياً لمراجعة القرآن.
محطات أثارت الجدل: إشارات رمزية أم مواقف أيديولوجية؟
الانتقادات الموجهة إلى تشيفتشي تتركز حول عدد من الوقائع التي اعتبرتها أوساط علمانية ومعارضة مؤشرات على رؤيته للعلاقة بين الدين والدولة.
أبرز هذه الوقائع تعود إلى شباط 2021 حين شارك، بصفته محافظاً لتشوروم، في فعالية إحياء ذكرى إسكليبلي عاطف خوجة، وهو رجل دين أُعدم عام 1926 بعد محاكمته بتهمة معارضة إصلاحات الجمهورية المبكرة في عهد أتاتورك، وخصوصاً ما يتصل بقوانين التحديث واللباس الغربي، إذ كان من أبرز المناهضين لسياسات العلمنة وداعياً لتطبيق الشريعة.
هذه الشخصية لا تزال موضع انقسام حاد في الذاكرة التركية؛ إذ ينظر إليه البعض باعتباره ضحية للقطيعة الجذرية مع التراث العثماني، بينما يعتبره آخرون رمزاً لمعارضة أسس الدولة الجمهورية. بعد موجة انتقادات واسعة، دافع تشيفتشي عن مشاركته واصفاً الفعالية بأنها “صحيحة ومبررة وضرورية”. ورغم تقديم شكاوى جنائية بحقه على خلفية الزيارة، لم تفتح النيابة تحقيقاً.
واقعة أخرى فجّرت نقاشاً مشابهاً في أرضروم، حين تقرر إغلاق المبنى الذي احتضن مؤتمر أرضروم عام 1919 بدعوى تعرضه لأضرار جسيمة. المؤتمر يُعد محطة تأسيسية في مسار حرب الاستقلال بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وبالتالي يمثل رمزاً جمهورياً بامتياز. تشيفتشي أشار آنذاك إلى أن المبنى كان في الحقبة العثمانية مدرسة أرمنية، وذكر احتمال هدمه. وبعد فحوصات فنية وأعمال تدعيم، أُعيد افتتاح المبنى كمتحف، إلا أن الجدل حول التصريحات السابقة لم يخفت سريعاً.
نهاية مرحلة يرلي قايا: إنجازات أمنية وانتقادات سياسية
إبعاد علي يرلي قايا أنهى مرحلة اتسمت بحملات أمنية واسعة ضد الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، رافقتها إعلانات مكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تضمنت أرقام توقيفات ومشاهد مداهمات. مؤيدوه اعتبروا ذلك دليلاً على الحزم، بينما رأى منتقدوه أن الخطاب الإعلامي بالغ في الطابع الاستعراضي، وأن نشر تفاصيل التوقيفات قدّم الاتهامات كأنها أحكام نهائية.
يرلي قايا أعلن بشكل دوري عن عمليات تستهدف أشخاصاً متهمين بالارتباط بحركة غولن، مع إبراز أعداد الموقوفين. المعارضة انتقدت هذا الأسلوب، معتبرة أن الرسائل المصاحبة لتلك الحملات رسّخت صورة مسبقة عن الموقوفين بوصفهم مجرمين قبل صدور أحكام قضائية.
التوتر بلغ ذروته أواخر كانون الأول 2025، إثر مداهمة في يالوفا استهدفت خلية لتنظيم “داعش”، تحولت إلى اشتباك مسلح استمر ساعات وأسفر عن مقتل ثلاثة من عناصر الشرطة. أحزاب معارضة طرحت تساؤلات حول التخطيط والتكتيك المستخدمين في العملية، وطالبت باستقالة الوزير آنذاك.
قراءة في دلالات التعيين: أمن أم هوية؟
في ضوء هذه المعطيات، يُقرأ تعيين تشيفتشي على مستويين متوازيين. الأول إداري أمني، يتعلق بإدارة ملفات شائكة في مرحلة تتسم بتحديات داخلية وإقليمية متزايدة. والثاني رمزي سياسي، حيث ترى أطراف معارضة أن اختيار شخصية ذات خلفية دينية واضحة، سبق أن ارتبط اسمها بقضايا جدلية تمس إرث الجمهورية، قد يعكس توجهاً نحو إعادة تعريف التوازن بين الهوية الدينية والإطار العلماني للدولة.
في المقابل، يصف مؤيدو القرار تشيفتشي بأنه بيروقراطي مخضرم، تدرّج في المناصب الإدارية بعيداً عن العمل الحزبي المباشر، وأن التركيز على خلفيته الدينية يتجاهل خبرته الإدارية الطويلة.
بين الاستمرارية والتغيير
التعديل الوزاري لا يعني بالضرورة انقلاباً في السياسات الأمنية، لكنّه يفتح الباب أمام مراقبة دقيقة لأسلوب الإدارة الجديد، خصوصاً في ملفات حساسة مثل مكافحة الإرهاب، التعامل مع المعارضة، وسياسات الهجرة.
ومع استمرار الاستقطاب السياسي في البلاد، يبدو أن كل إشارة رمزية أو قرار إداري سيُحمّل بأبعاد تتجاوز نطاقه التنفيذي، ليُقرأ في سياق أوسع يتصل بهوية الدولة ومسارها المستقبلي.
الخلاصة
تعيين مصطفى تشيفتشي وزيراً للداخلية أنهى مرحلة أمنية مثيرة للجدل وفتح باب التساؤل حول دلالات الاختيار بين الكفاءة البيروقراطية والرسائل الرمزية المرتبطة بالهوية. المنصب الحساس يضع الوزير الجديد في قلب معادلة دقيقة تجمع بين الأمن الداخلي والانقسام السياسي حول طبيعة الدولة.

