أثارت تصريحات رئيس البرلمان التركي الأسبق بولنت أرينتش، والنائب المستقل عن إسطنبول مصطفى ينر أوغلو، موجة واسعة من الجدل السياسي، بعد أن وجّها انتقادات حادة لأداء السلطة الحاكمة، متطرقين إلى تحولات القيم الدينية والأخلاقية، وتراجع الخطاب الإصلاحي الذي رافق بدايات التجربة السياسية للتيار المحافظ.
التصريحات جاءت في سياق يتسم بتزايد النقاشات داخل الأوساط المحافظة حول الهوية السياسية للحكم، ومستقبل الخطاب الديني في المجال العام، ومدى اتساق الشعارات المرفوعة مع الواقع الاجتماعي والسياسي الراهن.
أرينتش: انحراف عن القيم وتغليب المنفعة
في تصريحات أدلى بها اليوم في مؤتمر لمنصة “الديمقراطية الكاملة”، قدّم بولنت أرينتش، أحد الوجوه البارزة في التجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، تقييماً حاداً للمشهد المجتمعي والسياسي. واعتبر أن المجتمع لم يعد كما كان يُوصف بـ”الأمة العزيزة”، وأضاف قائلا: “لقد انطلقنا في البداية تحت مسمى حركة الفضلاء، لكن اليوم بات التدين في موقع تراجع في بلادنا، حيث إن مظاهر الالتزام الديني تشهد انحساراً، سواء فيما يتعلق بالحجاب أو الصلاة، كما انتشرت على نطاق واسع تيارات فكرية مثل “الربوبية” في الأوساط العامة.”
أرينتش انتقد ما اعتبره تحوّلاً في طبيعة التمثيل السياسي، قائلاً إن من ينتخبهم المجتمع باتوا يعكسون نزعة نفعية، مختزلاً المشهد بعبارة لافتة مفادها أن “من اختاره هذا المجتمع أصبح تاجاً على رأس الانتهازية”، في إشارة رمزية إلى البرلمانيين الذين يرجحون المصالح المادية والعلاقات ذات الطابع النفعي على حساب القيم الأخلاقية.
كما أبدى أسفه لما اعتبره ضياعاً لمبادئ “حركة الفضلاء” التي انطلقت بشعارات أخلاقية في بدابات الألفية الثالثة مع حزب العدالة والتنمية تحت قيادة أردوغان ورفقاء دربه، مؤكداً أن القيم الأخلاقية تآكلت، وأن مفهوم استقلال القضاء تراجع، في ظل ذهنية تختزل القانون في كونه أداة بيد السياسة. وذهب إلى حد الدعوة إلى عدم منح الشرعية الأخلاقية – حتى على مستوى التحية – لمن يتبنون هذا الفهم.
يرى مراقبون أن أسلوب أرينتش الحاد في انتقاد نظام أردوغان، رفيق دربه، أثار تساؤلات حول ما إذا كان يستعد للانتقال إلى صفوف المعارضة، وسط ادعاءات بتوجه مجموعة من المحافظين إلى تشكيل حركة سياسية جديدة تحت قيادة عبد الله جول رئيس تركيا السابق.
ينروغلو: سؤال الدين والسياسة بعد أفول التجربة
من جهته، قدّم مصطفى ينر أوغلو، النائب المنتقل من صفوف الحزب الحاكم إلى صفوف المستقلين، قراءة أكثر قتامة للمستقبل، معتبراً أن حجم الأضرار التي لحقت بالبلاد لن يتضح بالكامل إلا بعد مغادرة السلطة الحالية. وتساءل عما إذا كان المتدينون الذين رفعوا في السابق شعارات كبرى حول الهوية الإسلامية سيتمكنون مستقبلاً من الدفاع عن تلك الادعاءات في المجال العام.
ينر أوغلو، الذي عرّف بنفسه كمسلم ملتزم ومنحدر من مدينة بايبورت، استشهد بتجربة شخصية تتعلق بخطبة الجمعة التي استمع إليها مؤخراً، معتبراً أنها عكست نزعة نحو التوحيد القسري للهوية عبر التركيز المكثف على مفاهيم مثل “الراية” و”الأمة” بصيغة أحادية، بما يهمّش التنوع ويعزز التجانس القسري.
وفي نقد مباشر للشعار الذي رُفع لسنوات حول “تربية جيل متدين”، طرح تساؤلاً صريحاً حول مآلات هذا المشروع، متسائلاً عما إذا كانت النتائج المتحققة تعكس فعلاً تحقيق هذا الهدف. كما حذّر من أن المقاربات الأمنية المتشددة قد تدفع البلاد إلى مزيد من الانغلاق، عبر سياسات تقوم على التضييق والتشدد وقمع الاختلاف، ما قد يفاقم التوترات في السنوات المقبلة.
سياق أوسع: تصدعات داخل البيت المحافظ
تكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية بالنظر إلى أن أرينتش ويينر أوغلو ينتميان إلى الخلفية الفكرية والسياسية ذاتها التي شكّلت العمود الفقري للحكم خلال العقدين الماضيين. ويعكس هذا الخطاب وجود مراجعات داخلية متنامية، خصوصاً بعد التحولات الدستورية، وتعاظم صلاحيات السلطة التنفيذية، وتصاعد الانتقادات المتعلقة باستقلال القضاء والحريات العامة.
كما تأتي هذه المواقف في ظل نقاشات متجددة حول علاقة الدين بالدولة، وحدود توظيف الخطاب الديني في السياسة، ومدى تأثير ذلك على الأجيال الشابة التي باتت، وفق استطلاعات متكررة خلال السنوات الأخيرة، أقل انجذاباً إلى الخطاب الأيديولوجي التقليدي.
بين الخطاب والمآل: أزمة ثقة وقيم
ما يجمع بين موقفي أرينتش وينر أوغلو هو الإشارة إلى فجوة متسعة بين الشعارات التي رُفعت في بدايات التجربة السياسية المحافظة، والواقع الحالي الذي يتسم – بحسب توصيفهما – بتراجع المعايير الأخلاقية، وتغليب الحسابات السلطوية، وانكماش الحريات.
في المقابل، يواصل أنصار السلطة الدفاع عن سياساتها باعتبارها ضرورية لحماية الاستقرار ومواجهة التحديات الأمنية والإقليمية، مؤكدين أن التحولات الاجتماعية لا يمكن اختزالها في أداء الحكومة وحدها.
غير أن بروز هذا النوع من الانتقادات من شخصيات كانت في صلب التجربة الحاكمة يعكس تحوّلاً في طبيعة النقاش داخل التيار المحافظ نفسه، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المشروع السياسي الذي انطلق بشعارات إصلاحية وأخلاقية قبل أكثر من عقدين.
الخلاصة
تصريحات أرينتش وينر أوغلو تكشف عن مراجعة نقدية حادة من داخل البيئة المحافظة لمسار حكم أردوغان، مع تركيز على تآكل القيم واستقلال القانون. الجدل المتصاعد يعكس تصدعات فكرية وسياسية أعمق حول علاقة الدين بالسلطة ومستقبل الخطاب المحافظ في تركيا.

