في مناخ أقل توتراً مقارنة بسنوات التصعيد البحري الحاد، استضافت أنقرة اجتماع مجلس التعاون رفيع المستوى بين تركيا واليونان، حيث التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في محاولة جديدة لإدارة الخلافات المزمنة وتوسيع مساحات التعاون العملي بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي.
الاجتماع عكس توجهاً مشتركاً للحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، في وقت لا تزال فيه قضايا بحر إيجة وشرق المتوسط، وترسيم الحدود البحرية، والمجال الجوي، وحقوق التنقيب عن الطاقة، تشكل نقاط احتكاك تاريخية بين الجانبين. وقد أُعيد تفعيل آلية مجلس التعاون رفيع المستوى بهدف تثبيت الاستقرار بعد سنوات من سياسة حافة الهاوية التي بلغت ذروتها خلال أزمة شرق المتوسط، حين دفعت التحركات البحرية المتقابلة البلدين إلى شفا مواجهة مباشرة.
إدارة الخلافات: بين “الحق القانوني” و”الخط الأحمر”
أحد أبرز ملفات التوتر التي طُرحت خلال المحادثات تمثل في مسألة توسيع المياه الإقليمية اليونانية في أجزاء من بحر إيجة من ستة أميال بحرية إلى اثني عشر ميلاً، وهو ما تعتبره أثينا حقاً مكفولاً بموجب القانون الدولي للبحار. في المقابل، ترى أنقرة أن خطوة كهذه ستقيد بشكل كبير وصولها إلى البحر المفتوح، وقد سبق للبرلمان التركي أن اعتبر أي توسع من هذا النوع في إيجة سبباً للحرب، في موقف تصفه اليونان بأنه يتعارض مع قواعد القانون البحري الدولي.
رغم حدة هذا الخلاف، شدد ميتسوتاكيس على أن البلدين يعملان منذ عام 2023 على تعزيز مسار الحوار السياسي، عبر ما تسميه أثينا “الأجندة الإيجابية” وإجراءات بناء الثقة، مؤكداً أن الخلافات ينبغي أن تُدار “بهدوء ومسؤولية” كي لا تتحول إلى أزمات مفتوحة. من جانبه، أقر أردوغان بتعقيد النزاعات في بحر إيجة وشرق المتوسط، لكنه اعتبرها غير مستعصية إذا توافرت الإرادة السياسية للحوار.
الهجرة والأمن البحري: ضغوط إنسانية متصاعدة
ملف الهجرة كان حاضراً بقوة على طاولة المباحثات، في ظل ضغوط متزايدة على اليونان بعد حادث غرق قبالة جزيرة خيوس أدى إلى مقتل خمسة عشر مهاجراً إثر اصطدام قاربهم بسفينة تابعة لخفر السواحل اليوناني وغرقه قرب السواحل التركية. الحادثة أعادت تسليط الضوء على حساسية التنسيق البحري بين البلدين، وعلى التداخل المعقد بين البعد الإنساني والأمني في إدارة تدفقات الهجرة عبر بحر إيجة.
التعاون في هذا المجال يُعد من أبرز الاختبارات العملية لمدى قدرة الطرفين على تحويل التعهدات السياسية إلى آليات تنفيذية، خاصة في ظل استمرار موجات الهجرة غير النظامية عبر المسار الشرقي للمتوسط.
حزمة اتفاقيات: الاقتصاد والتكنولوجيا والربط البحري
بعيداً عن الملفات السيادية الشائكة، وقّع الجانبان مجموعة من الاتفاقيات الهادفة إلى توسيع التعاون العملي، بما يشمل تعزيز الاستثمارات الثنائية، تحسين الربط والنقل، والتنسيق في إدارة الكوارث.
من بين المبادرات المطروحة تشجيع إطلاق خط عبّارات جديد يربط بين سالونيك وإزمير، في خطوة يُراد لها أن تدعم التبادل التجاري والسياحي. كما تم توقيع مذكرة تعاون ثقافي، وتفعيل آليات تنسيق بين وزارتي الخارجية في إطار منظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود.
وفي مجال إدارة المخاطر الطبيعية، اتفق الطرفان على تنسيق الجهود في الاستعداد للزلازل والاستجابة لها، وهو ملف يكتسب أهمية خاصة نظراً لتعرض البلدين لنشاط زلزالي متكرر.
كما أُطلق برنامج تعاون في البحث والتكنولوجيا وقّعه وزير التنمية اليوناني ونظيره التركي للصناعة والتكنولوجيا، مع مناقشات موسعة حول دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير المعايير الصناعية، وتعزيز بيئة الشركات الناشئة، في مؤشر إلى رغبة مشتركة في بناء أرضية اقتصادية تخفف من وطأة التوترات السياسية.
قبرص: نافذة أممية لإحياء المفاوضات
القضية القبرصية حضرت كذلك في تصريحات ميتسوتاكيس، الذي أشار إلى مناقشة التطورات الأخيرة مع أردوغان، معتبراً أن جهود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أوجدت “نافذة فرصة” لاستئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها عام 2017. وأكد أن أي مسار تفاوضي يجب أن يظل ضمن إطار قرارات مجلس الأمن الدولي.
الجزيرة مقسمة منذ عام 1974، حين تدخلت تركيا عسكرياً عقب انقلاب مدعوم من اليونان، ما أسفر عن سيطرة جمهورية قبرص المعترف بها دولياً على الجنوب، في حين تدير إدارة قبرصية تركية الشمال ولا تحظى باعتراف سوى من أنقرة. ورغم الجمود الطويل، تشهد الأشهر الأخيرة تحركات دبلوماسية أممية تهدف إلى استكشاف فرص استئناف الحوار، وسط تباين عميق في الرؤى بين نموذج الدولة الاتحادية الذي تدعمه نيقوسيا وأثينا، ومقاربة “حل الدولتين” التي تروج لها أنقرة والقيادة القبرصية التركية.
بين خفض التصعيد وغياب الاختراق
انعقاد لقاء أنقرة جرى في أجواء أقل حدة مقارنة بأزمة شرق المتوسط السابقة، حيث تراجعت لغة التهديد العلني، وتكثفت اللقاءات الدبلوماسية، وتوسعت مجالات التعاون التقني. إلا أن مسؤولين من الجانبين أشاروا إلى أنهم لا يتوقعون تقدماً سريعاً في الملفات الجوهرية، ما يعكس إدراكاً بأن إدارة الخلاف قد تكون الهدف الواقعي في المرحلة الحالية، بدلاً من حسمه.
تأتي هذه التطورات في سياق إقليمي متغير، حيث تتقاطع حسابات الطاقة والأمن البحري مع ترتيبات إقليمية أوسع في شرق المتوسط، إضافة إلى الضغوط الأوروبية المتعلقة بالهجرة، والتوازنات داخل حلف الناتو في ظل أزمات دولية متلاحقة.
خلاصة
لقاء أنقرة رسّخ منطق إدارة النزاع بدل تفجيره، ووسّع نطاق التعاون الاقتصادي والتقني دون المساس بجوهر الخلافات السيادية. ورغم خفض مستوى الخطاب التصعيدي، تبقى قضايا إيجة وقبرص وحقوق البحار اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على تحويل الحوار إلى تسويات مستدامة.

