أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعيين المدعي العام لإسطنبول، أكين غورليك، وزيرًا جديدًا للعدل، وفق ما نُشر في الجريدة الرسمية في ساعة مبكرة من صباح الأربعاء، في خطوة مفاجئة أعادت ترتيب مواقع حساسة داخل مؤسسات الدولة. وجاء القرار متزامنًا مع تغيير في وزارة الداخلية، حيث تقرر إسناد الحقيبة إلى والي أرضروم مصطفى جيفتجي، خلفًا لعلي يرلي قايا، بينما تولّى غورليك المنصب بدلًا من الوزير السابق يلماز تونتش، بعدما أشارت الجريدة الرسمية إلى استقالة الوزيرين.
الخطوة تعكس تحوّلًا لافتًا في توزيع الأدوار داخل الجهاز التنفيذي، خصوصًا أن غورليك يُعد من أبرز الأسماء المرتبطة بملفات قضائية استهدفت قيادات من المعارضة التركية خلال الفترة الأخيرة.
أكين غورليك: من قاعات الادعاء إلى قمة وزارة العدل
يبلغ غورليك ثلاثة وأربعين عامًا، وكان يشغل منصب المدعي العام لإسطنبول، أكبر المدن التركية وأكثرها تأثيرًا سياسيًا واقتصاديًا. كما سبق له أن عمل نائبًا لوزير العدل، ما يمنحه خبرة تنفيذية سابقة داخل الوزارة التي بات يقودها اليوم.
ارتبط اسم غورليك بإدارة ومتابعة تحقيقات حساسة طالت شخصيات بارزة في حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة. وُجهت له انتقادات واسعة من خصوم الحكومة الذين اتهموه بملاحقة معارضي الرئيس أردوغان قضائيًا، ولا سيما على خلفية تصريحات انتقدت أداءه أو شككت في نزاهة إجراءاته.
منذ تعيينه مدعيًا عامًا لإسطنبول في أكتوبر 2024، شهدت المدينة حملة تحقيقات موسعة أسفرت عن توقيف أكثر من خمسة عشر رئيس بلدية ينتمون إلى حزب الشعب الجمهوري، معظمهم وُجهت إليهم اتهامات بالفساد ينفونها بشكل قاطع. كما فُتحت مئات التحقيقات بحق أعضاء في الحزب ذاته، بتهم تراوحت بين الفساد، والارتباط بالإرهاب، وإهانة رئيس الجمهورية.
ملف إمام أوغلو: نقطة التحول الأبرز
أبرز المحطات التي رسخت اسم غورليك في المشهد السياسي كانت إصدار مذكرة توقيف بحق رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس من العام الماضي. القرار جاء قبل أيام قليلة من إعلان حزب الشعب الجمهوري ترشيحه رسميًا لخوض الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028، وهو سياسي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره المنافس الأبرز القادر على هزيمة أردوغان في صناديق الاقتراع.
أثار توقيف إمام أوغلو موجة احتجاجات هي الأكبر في تركيا منذ أكثر من عقد، واعتُبر في أوساط واسعة خطوة ذات أبعاد سياسية. وقد أُوقف إمام أوغلو لاحقًا ويواجه اليوم سلسلة من القضايا، من بينها ملف يتهمه فيه الادعاء بالتشكيك في نزاهة غورليك نفسه.
ولم يقتصر الأمر على إمام أوغلو، إذ فُتح تحقيق أيضًا بحق رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزال، على خلفية اتهامات بتوجيه تهديدات وإهانات لغورليك، ما عمّق التوتر بين المؤسسة القضائية والمعارضة.
دلالات التعيين: بين تثبيت المسار وتكريس القبضة
يأتي نقل غورليك من موقع الادعاء في إسطنبول إلى وزارة العدل في سياق سياسي يتسم بتصاعد المواجهة بين الحكومة والمعارضة، خاصة بعد سلسلة من القضايا التي طالت بلديات كبرى فازت بها المعارضة في الانتخابات المحلية الأخيرة. ويطرح التعيين تساؤلات حول ما إذا كان يمثل مكافأة سياسية على إدارة ملفات حساسة، أم خطوة لتعزيز التنسيق بين السلطة التنفيذية والجهاز القضائي في مرحلة تتسم بحساسية داخلية وإقليمية.
في المقابل، لم تتضح الأسباب المباشرة للتعديل الوزاري، خصوصًا فيما يتعلق بوزارة الداخلية، إلا أن التغيير المتزامن في حقيبتين سياديتين يوحي بوجود إعادة ترتيب أوسع داخل بنية الحكم، ربما استعدادًا لمرحلة سياسية مقبلة تتطلب انضباطًا مؤسسيًا أعلى في نظر القيادة التركية.
وزارة الداخلية: تغيير موازٍ في موقع أمني حساس
شمل التعديل أيضًا وزارة الداخلية، حيث انتقل المنصب من علي يرلي قايا إلى مصطفى جيفتجي، والي ولاية أرزروم شرقي البلاد. وتُعد وزارة الداخلية أحد الأعمدة الرئيسية في إدارة الأمن الداخلي والملفات المرتبطة بالبلديات، ما يجعل تغيير قيادتها متقاطعًا بشكل غير مباشر مع المسار القضائي الذي قاده غورليك في إسطنبول.
هذا التزامن بين وزارتي العدل والداخلية يعزز الانطباع بأن الحكومة تعيد ضبط أدواتها التنفيذية والقضائية في آنٍ واحد، في ظل بيئة سياسية تتسم بالاستقطاب الحاد.
السياق الأوسع: تصاعد المواجهة قبل استحقاقات مقبلة
التطور يأتي في وقت تشهد فيه تركيا نقاشات متزايدة حول مستقبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، ودور المعارضة في المشهد السياسي بعد الضربات القضائية المتتالية التي طالت قياداتها المحلية والمركزية. كما يتزامن مع استمرار الجدل الدولي بشأن سيادة القانون واستقلال القضاء في البلاد.
تعيين شخصية ارتبط اسمها بملفات قضائية ضد المعارضة على رأس وزارة العدل يمنح هذا القرار أبعادًا تتجاوز كونه تعديلًا إداريًا عاديًا، ليصبح جزءًا من معادلة سياسية أوسع تتعلق بإدارة التوازن بين السلطة والمعارضة في مرحلة دقيقة من الحياة السياسية التركية.
خلاصة
تعيين أكين غورليك وزيرًا للعدل، بعد قيادته تحقيقات واسعة ضد المعارضة، يمثل تحوّلًا مؤسسيًا يحمل أبعادًا سياسية واضحة في لحظة تشهد تصاعدًا في الاستقطاب الداخلي. القرار، المتزامن مع تغيير وزارة الداخلية، يعكس إعادة ترتيب في مفاصل حساسة للدولة قبيل مرحلة سياسية يُتوقع أن تكون شديدة التنافس.

