تسلّط البيانات المالية المعلنة حديثًا الضوء على توسّع غير مسبوق في حجم الأصول والنشاط المالي لمؤسسة “توركين” (TURKEN)، وهي منظمة غير ربحية مسجّلة في الولايات المتحدة، أُسست بشراكة بين مؤسستين تركيتين تُعرفان بقربهما من الدائرة العائلية للرئيس رجب طيب أردوغان.
هذا التوسع، الذي شمل أصولًا عقارية فاخرة ونفقات ضخمة، أعاد إلى الواجهة أسئلة متزايدة حول طبيعة دور المؤسسة، وحدود نشاطها، ومستوى الشفافية في تمويلها.
وفق الإفصاحات الرسمية، تجاوزت القيمة الإجمالية لأصول” توركين” حاجز 117 مليون دولار خلال عام 2025، بعد أن كانت لا تتجاوز 24 مليون دولار عند تأسيسها عام 2014. هذا النمو السريع يعكس تحوّل المؤسسة خلال عقد واحد من كيان محدود الموارد إلى لاعب مالي بارز داخل الأراضي الأميركية.
قفزة متسارعة في الأصول والإنفاق
الوثائق الضريبية تُظهر أن أصول المؤسسة ارتفعت إلى ما يقارب 100 مليون دولار في بيانات عام 2024، قبل أن تقفز خلال عام واحد إلى أكثر من 117 مليون دولار. بالتوازي، كشفت إفصاحات قُدمت بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب عن إنفاق تجاوز 50 مليون دولار خلال عام 2025 وحده.
هذا الإنفاق جرى تمريره بالكامل تقريبًا عبر المؤسستين التركيتين التي تندرج تحتهما مؤسسة “تركين”، حيث نُقل أكثر من 26 مليون دولار عبر مؤسسة أنصار، ونحو 24 مليون دولار عبر وقف خدمات الشباب والتعليم التركي (TÜRGEV).
شبكات النفوذ والروابط العائلية
يعد وقف خدمات الشباب والتعليم التركي جزءًا من شبكة يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها قريبة من عائلة الرئيس، إذ شغل عدد من أقاربه مناصب في هيئاتها الإدارية، ما دفع معارضين وباحثين إلى توصيف “توركين” بوصفها الامتداد الأميركي لهذه الشبكة. أما مؤسسة أنصار، فتُعرّف نفسها كجهة خيرية تنفذ مشاريع خدمية بالتعاون مع بلديات وجامعات ومؤسسات عامة داخل تركيا.
من خلال “توركين”، التقت هاتان المؤسستان في منصة واحدة داخل الولايات المتحدة، ما أتاح لهما توسيع نشاطهما خارج الحدود، خصوصًا في مجالات التعليم والإسكان والعمل المجتمعي، مع بروز بعد سياسي غير مباشر أثار اهتمام دوائر الرقابة الأميركية.
تصاعد إنفاق التأثير السياسي
تزامن الإعلان عن هذه الأرقام مع تنامي التدقيق في الأنشطة ذات الطابع التأثيري التي تُنسب إلى “توركين” داخل الولايات المتحدة. البيانات المتاحة تشير إلى تصاعد لافت في حجم الإنفاق المبلغ عنه خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع من مستويات محدودة قبل سنوات إلى عشرات الملايين خلال فترة قصيرة.
وخلال ثلاث سنوات فقط، بلغ إجمالي ما أنفقه وقف خدمات الشباب والتعليم ومؤسسة أنصار عبر “توركين” نحو 77.5 مليون دولار، في مؤشر على توسع متسارع يتجاوز النمط التقليدي للأنشطة الخيرية أو التعليمية، ويفتح باب التساؤل حول طبيعة هذا الإنفاق ومجالات توظيفه.
برج مانهاتن: سكن طلابي أم عقار فاخر متعدد الوظائف؟
أحد أبرز أصول “توركين” وأكثرها إثارة للانتباه يتمثل في برج فاخر مكوّن من واحد وعشرين طابقًا في قلب مانهاتن، على بعد مسافات قصيرة من مقر الأمم المتحدة. المؤسسة اشترت المبنى الأصلي في الموقع قبل سنوات، ثم شرعت في تحويله إلى ما تصفه بسكن طلابي.
غير أن مواصفات المشروع، كما كُشف عنها، تتجاوز النموذج التقليدي لسكن الطلبة. فالمبنى يضم اثنتين وثمانين شقة مجهزة بالكامل بمطابخ حديثة، وخدمات إنترنت عالية السرعة، وتلفزيون مدفوع، مع إيجارات شهرية تتراوح بين 1300 و3000 دولار. الطابق الأرضي والطابق الأول خُصصا لمحال تجارية ومطاعم، فيما جرى تخصيص عدة طوابق عليا لاستضافة شخصيات مصنفة كضيوف كبار. كما دفعت المؤسسة ضرائب عقارية تجاوزت 53 ألف دولار خلال عام واحد.
إفصاحات قانونية وأسئلة بلا إجابات
القوانين الأميركية تفرض على المؤسسات الأجنبية أو المرتبطة بجهات خارجية الإفصاح عن أنشطتها السياسية المحتملة. وفي هذا السياق، قدمت كل من أنصار ووقف خدمات الشباب والتعليم بيانات إلى وزارة العدل الأميركية، عرّفت فيها أنشطتها على أنها مساهمات في التنمية العلمية والاجتماعية والاقتصادية لتركيا.
إلا أن بندًا أساسيًا في هذه الإفصاحات، يتعلق بوجود سيطرة أو تمويل أو إشراف من حكومة أجنبية أو حزب سياسي، جرى تأشيرُه بالنفي، وهو ما أثار مزيدًا من الجدل في ظل طبيعة الروابط المعروفة بين هذه المؤسسات والسلطة السياسية في أنقرة.
مزرعة غامضة في ميشيغان
إلى جانب الأصول الحضرية، تمتلك “توركين” مزرعة تمتد على أكثر من ثمانين فدانًا في ولاية ميشيغان، اشترتها من عائلة الملاكم العالمي الراحل محمد علي مقابل 2.5 مليون دولار. طبيعة استخدام هذا العقار لا تزال غير معلنة، ولا تتوفر معلومات رسمية حول ما إذا كان مخصصًا لأغراض تعليمية أو تدريبية أو كمنتجع خاص. المؤسسة تدفع ضرائب سنوية تزيد على 30 ألف دولار عن هذا العقار.
حضور تركي آخر قرب البيت الأبيض
نشاط “توركين” لا يأتي بمعزل عن تحركات مؤسسات تركية أخرى داخل الولايات المتحدة. فمؤسسة يونس أمره، المرتبطة بوزارة الثقافة التركية، تمتلك شقة فاخرة في موقع استراتيجي قريب من البيت الأبيض، اشترتها مقابل 5.3 مليون دولار لاستخدامها كمقر إداري. هذه المؤسسة، التي تُعرّف نفسها كجهة ثقافية عامة، تعمل على الترويج للغة والثقافة والتاريخ التركي في الخارج.
شفافية محدودة وانتقادات متصاعدة
رغم تضخم الأصول والإنفاق، لا تكشف الإفصاحات الأخيرة عن هوية المتبرعين أو مصادر التمويل التفصيلية، ما غذّى انتقادات داخل الأوساط الإعلامية والسياسية الأميركية. كما امتنعت “توركين” والمؤسستان المؤسستان لها عن الرد على استفسارات حول أسباب القفزة الكبيرة في النفقات أو طبيعة الأنشطة التي استهلكت هذا الإنفاق خلال عام 2025.
منتقدو هذه الشبكة من داخل تركيا وخارجها يرون أنها تعمل كقنوات غير رسمية لربط شبكات موالية للحكومة بفرص التعليم والإسكان والمنح والتوظيف، مستندين إلى تسريبات وتقارير سابقة تحدثت عن آليات محسوبية، شملت قوائم داخلية لدعم إدماج أفراد في مؤسسات الدولة.
خلاصة
التوسع المالي والعقاري السريع لمؤسسة “توركين” في الولايات المتحدة يعكس تحوّلها إلى كيان ذي ثقل اقتصادي ونفوذ محتمل، ما يفتح نقاشًا متجددًا حول الشفافية، وطبيعة الدور السياسي غير المعلن، وحدود الفصل بين العمل الخيري والشبكات السلطوية العابرة للحدود.

