تكشف قضية جيفري إبستين عن تقاطع خطير بين المال والنفوذ العلمي وأفكار تحسين الجنس البشري، حيث يظهر المتهم البارز في قضايا الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر بوصفه شخصاً حاول توظيف العلم والرمزية العلمية لتجميل هواجس ذات طابع يقترب من اليوجينية والخيال العلمي أكثر مما يقترب من البحث الرصين.
رؤية إبستين لـ “إعادة إنتاج” البشرية
وفق ما نقلته مصادر مطلعة تحدّثت لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، كان جيفري إبستين يبوح منذ سنوات لفئة من العلماء ورجال الأعمال برغبة غير مألوفة: أن يساهم في “إعادة إنتاج” الجنس البشري عبر نشر حمضه النووي على نطاق واسع.
هذه الرغبة تجسدت في فكرة استخدام مزرعته الشاسعة في ولاية نيو مكسيكو كمركز يجري فيه تلقيح عدد من النساء من نطفته، بحيث يحمل عدد كبير من الأطفال مادته الوراثية.
غياب الأدلة على التنفيذ
مع أن شهوداً عديدين أكدوا أن إبستين تحدث عن هذا المخطط أكثر من مرة، إلا أن التقارير نفسها تشدد على عدم وجود دليل موثَّق على أن المشروع نُفّذ فعلاً أو أن نساء حُملن على أرض الواقع ضمن برنامج منظم.
هذا التناقض بين ضخامة الفكرة وغياب القرائن العملية يسلّط الضوء على الفارق بين هوسه الشخصي ورغباته المعلنة، وبين ما أمكن إثباته قضائياً أو توثيقه علمياً حتى الآن.
انجذاب إلى أفكار “الإنسان المتفوق”
تُظهر الشهادات أن إبستين كان مفتوناً بالتصورات التي ترى أن بالإمكان “تحسين” البشر وراثياً وتقنياً، وهي الأفكار التي تدور حول ما يُعرف بالترانسهيومانية؛ أي السعي لاستخدام التكنولوجيا والعلوم الحيوية لرفع القدرات البشرية إلى مستوى جديد.
في هذا الإطار، ارتبطت رؤيته الشخصية بفكرة أقرب إلى اليوجينية الحديثة: انتقاء صفات محددة واعتبارها “أفضل” أو “أرقى”، ثم محاولة نشرها في الأجيال اللاحقة عبر تنظيم التناسل وتوجيهه.
تشابه مع تجارب تاريخية مثيرة للجدل
أشارت بعض المصادر إلى أن إبستين كان متأثراً بمشروعات سابقة مثل “مستودع الاختيار الجرثومي” الذي أنشئ في الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي، وجمع عينات من نطف رجال يُنظر إليهم باعتبارهم ذوي قدرات “استثنائية”.
هذه التجارب، التي أحيطت بجدل أخلاقي واسع، شكلت في نظره نموذجاً يمكن البناء عليه، مع فارق أنه كان يضع نفسه هذه المرة في قلب التجربة بوصفه المانح الرئيس للنطف، لا مجرد ممول أو مراقب.
شبكة علاقات واسعة مع علماء بارزين
سعى إبستين إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات في الأوساط الأكاديمية والعلمية، مستفيداً من أمواله الضخمة وقدرته على تنظيم لقاءات فاخرة في نيويورك وغيرها.
حضر هذه اللقاءات علماء ومفكرون بارزون في الفيزياء والبيولوجيا وعلوم الأعصاب، وبينهم حائزون على جوائز مرموقة وأسماء لامعة في الفكر العلمي المعاصر، ما منح إبستين غطاءً رمزياً قوياً رغم تاريخه الجنائي.
تمويل وأجور وامتيازات
توضح التقارير أن إبستين قدم دعماً مالياً مباشراً أو غير مباشر لبعض الباحثين والمؤسسات، سواء عبر تمويل أبحاث أو المساهمة في رواتب أو رعاية فعاليات علمية متخصصة.
بعض الأكاديميين اعترفوا لاحقاً بأن الحاجة إلى مصادر تمويل، وإغراء الدعم المالي السخي، جعلاهم يتغاضون عن خطورة سجله المتعلق بالاستغلال الجنسي، أو يقللون من شأن ما كان يلاحقه من اتهامات.
اتهامات بـ “الدجل الفكري”
عدة علماء تبرؤوا لاحقاً من أفكار إبستين، وأكدوا أنهم لم يأخذوا مشاريعه النظرية على محمل الجد. من أبرز المواقف العلنية وصفه من قِبَل بعض الأكاديميين بأنه “دخيل على المجال العلمي” أو صاحب طرح غير قابل للاختبار، بما يجعله أقرب إلى مروِّج أفكار غامضة منه إلى شريك في نقاش علمي منضبط.
أفكار غير قابلة للاختبار
أشار عدد من الباحثين إلى أن الكثير من تصورات إبستين حول تحسين البشر وراثياً، أو بناء سلالات “متفوقة” من نسله، لا تستند إلى خطط بحثية قادرة على أن تُختبر في إطار المنهج العلمي.
هذا البعد غير القابل للتحقق جعل خطابه، في نظر هؤلاء، أقرب إلى استخدام لغة العلوم المتقدمة لتغطية هواجس شخصية، لا إلى مساهمة فعلية في تقدم المعرفة أو النقاش الأخلاقي حول مستقبل الهندسة الوراثية.
البحث عن “خلود” بيولوجي رمزي
لم يقتصر هوس إبستين على نشر حمضه النووي، بل امتد – بحسب شهادة أحد المدافعين عن الترانسهيومانية – إلى فكرة تجميد أعضاء من جسده بعد موته على أمل إحيائها مستقبلاً.
تتحدث هذه الشهادة عن رغبته في تجميد رأسه وأعضائه التناسلية تحديداً، في إطار قناعة شخصية بأن تطور التكنولوجيا قد يسمح يوماً ما بإعادة إحيائها أو استخدامها في سياقات علمية جديدة.
علم على تخوم الخيال
تجميد الأجساد والأعضاء على أمل إعادتها إلى الحياة لاحقاً يظل حتى اليوم خارج نطاق الممارسة العلمية المثبتة، ويُنظر إليه في الأوساط العلمية السائدة باعتباره أقرب إلى مشاريع تجارية أو سرديات خيال علمي منه إلى علاج طبي حقيقي.
انجذاب إبستين إلى هذا المجال ينسجم مع نمط عام في سلوكه: استخدام مفاهيم علمية متقدمة، أو متنازع عليها، لتغذية تصور ذاتي عن تجاوز حدود الجسد والحياة العادية.
توظيف المؤسسات الخيرية كأداة نفوذ
أسس إبستين عدداً من الكيانات والمؤسسات التي قدّمت نفسها بوصفها معنية بدعم الأبحاث العلمية المستقبلية، وخصوصاً في مجالات الترانسهيومانية والتقنيات الحيوية. من خلال هذه الأطر، ضخ أموالاً إلى مبادرات ومراكز بحث، وأسهم في رواتب بعض الباحثين، ما رسّخ صورته – ظاهرياً – كراعٍ للعلم والابتكار رغم ما كان يواجهه من اتهامات جنائية ثقيلة.
تلميع صورة أفكار مثيرة للجدل
تقدّر بعض التحليلات أن إبستين لم يستخدم هذه المؤسسات فقط لكسب نفوذ لدى العلماء، بل أيضاً لتغليف أفكاره المثيرة للجدل حول “تحسين” البشر، وإعادة إنتاج النسل، و”الخلود” البيولوجي، بطابع شرعي أو على الأقل محترم في عيون جزء من النخبة. هذا الجمع بين المال والرمزية العلمية منح مخططاته وهواجسه غطاءً شكلياً، حتى وإن لم تتحول إلى برامج بحثية منظَّمة ومعلنة.
الملفات الجنائية: خلفية لا يمكن فصلها عن “مشاريع المستقبل”
ظهرت هذه الهواجس الخاصة بإعادة إنتاج البشر بالتوازي مع سجله المعروف في استغلال الفتيات القاصرات والمتاجرة بهن لأغراض جنسية، وهي الاتهامات التي أدت إلى توقيفه في صيف 2019.
هذا السياق يجعل كثيرين يرون أن مشروعه المتخيَّل لتكثير نسله لا يمكن فصله عن نمط أوسع من التملك الجسدي للآخرين، واستخدامهم كوسيلة لتحقيق رغبات شخصية تحت غطاء المال والقوة.
مبالغة في تصوير علاقاته العلمية
أشارت تقارير صحفية إلى أن إبستين كان يميل أحياناً إلى تضخيم طبيعة علاقاته مع بعض العلماء والمشاهير، مدعياً تقديم دعم مالي لهم بينما يؤكد كثير منهم لاحقاً أن هذه الصلات إما لم تكن قائمة أو كانت سطحية وغير مستمرة.
هذا التباين بين الرواية التي كان يقدّمها عن نفسه وبين ما يؤكده المعنيون يعزز صورة رجل يسعى بكل وسيلة لربط اسمه بعوالم العلم والفكر حتى عندما لا يملك فعلياً ذلك العمق من العلاقة.
دلالات أوسع: حين تتحول “رؤى المستقبل” إلى أداة تبرير
تكشف تجربة إبستين عن كيف يمكن أن تتحول لغة “تحسين البشرية” و”تطوير الإنسان” إلى واجهة لأفكار وسلوكيات لا إنسانية، عندما تُفصل عن النقاش الأخلاقي والقانوني الجاد.
في ظل غياب قواعد صارمة للشفافية في التمويل البحثي، يمكن لأصحاب الثروات المشبوهة أن يجدوا لأنفسهم موقعاً في قلب النقاش العلمي حول مستقبل البشر، وأن يستخدموا هذا الموقع لتلميع صورتهم، أو لإضفاء مسحة من الشرعية على هواجس شخصية تتجاوز حدود العلم والمسؤولية.
خلاصة
تُظهر قصة جيفري إبستين كيف يمكن للمال والنفوذ أن يفتحا أبواب النخبة العلمية لأفكار تمس جوهر الكرامة الإنسانية، من تكثير نسل شخص واحد إلى أحلام التجميد والخلود، دون سند علمي حقيقي أو إطار أخلاقي واضح. وبينما لم تُثبت أدلة تنفيذ مخططاته الوراثية، يبقى استخدامه للعلم ولغة المستقبل غطاءً لمشروع شخصي مقلق يتقاطع مع تاريخ من الاستغلال

