أثار حديث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بشأن تطورات الوضع في إيران، واحتمالات التصعيد العسكري الأمريكي، موجة ردود فعل سياسية في واشنطن، كان أبرزها موقف حاد أعلنه السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، أحد الأسماء المقربة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عاكسًا اتساع فجوة الرؤى بين بعض الحلفاء الإقليميين والدوائر المتشددة داخل المؤسسة السياسية الأمريكية.
فيدان، وخلال مشاركته في برنامج تلفزيوني مباشر، قدّم قراءة حذرة للمشهد الإقليمي، مشيرًا إلى أن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود تهديد فوري باندلاع حرب شاملة ضد إيران، مؤكدًا أن بلاده، بالتعاون مع أطراف أخرى، تبذل جهودًا دبلوماسية مكثفة لتفادي سيناريوهات كارثية قد تجر المنطقة إلى فوضى واسعة النطاق.
القراءة التركية: احتواء الأزمة ومنع الانفجار
في تقييمه للوضع، ركّز وزير الخارجية التركي على أولوية تجنّب المواجهة العسكرية، معتبرًا أن نافذة العمل السياسي لا تزال مفتوحة، وأن منع الانزلاق نحو الحرب يمثل هدفًا ملحًا في هذه المرحلة الحساسة، خاصة في ظل هشاشة التوازنات الإقليمية، وتشابك الأزمات من الخليج إلى شرق المتوسط.
هذا الطرح يعكس مقاربة تركية تقليدية تقوم على إدارة الأزمات عبر القنوات الدبلوماسية، وتفادي التغيير القسري للأنظمة، لما يحمله ذلك من تداعيات أمنية وإنسانية قد تمتد آثارها إلى دول الجوار، بما في ذلك موجات لجوء واضطرابات أمنية عابرة للحدود.
الرد الأمريكي: خطاب صدامي ودعوة لتغيير جذري
غير أن هذا الخطاب لم يلق قبولًا لدى بعض الأصوات المؤثرة في واشنطن. فقد شن السيناتور ليندسي غراهام هجومًا لاذعًا على ما وصفه بمواقف “الحلفاء الإقليميين المزعومين”، معتبرًا أن أي تفكير في الإبقاء على النظام الإيراني الحالي بعد سنوات من الاحتجاجات الشعبية يمثل انفصالًا كاملًا عن الواقع.
غراهام ذهب إلى أبعد من ذلك، واصفًا المرشد الإيراني بأنه يقود “نظامًا ملطخًا بالدماء”، ومتهمًا إياه بقتل شعبه، مستخدمًا لغة شديدة التصعيد حين شبّه الطابع الديني للنظام بما وصفه بـ”النازية الدينية”، داعيًا دول المنطقة إلى التخلي عن سياسات الحفاظ على الوضع القائم، والاصطفاف علنًا مع مطالب الشعب الإيراني.
استهداف مباشر لدول إقليمية
في سياق هجومه، وجّه السيناتور الجمهوري رسائل مباشرة إلى تركيا وقطر ومصر ودول أخرى، معتبرًا أن تفضيلها للاستقرار الظاهري وتجاهلها لما يراه “مطالب مشروعة للإيرانيين” لا يتعارض فقط مع المصالح الأمنية القومية للولايات المتحدة، بل يتجاوز ذلك ليصطدم، بحسب تعبيره، بالقيم الأخلاقية والإنسانية العامة.
هذا الخطاب يعكس تيارًا داخل السياسة الأمريكية يرى أن أي مقاربة لا تنتهي بإضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه تُعد تقويضًا مباشرًا للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والدور الإقليمي لطهران في عدة ساحات صراع.
ترامب على الخط: دعم الاحتجاجات ورسائل رمزية
غراهام استند في موقفه أيضًا إلى تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دعا فيها الإيرانيين إلى مواصلة الاحتجاج، ملمحًا إلى أن الدعم الأمريكي “في الطريق”. السيناتور عبّر عن ثقته بأن ترامب سيقف، من وجهة نظره، في “الجانب الصحيح من التاريخ”، معتبرًا إياه رجلًا يفي بوعوده، ومختتمًا خطابه بشعار مباشر: “الحرية لإيران”.
هذه الرسائل، وإن جاءت بصيغة سياسية وإعلامية، تعكس استمرار استخدام ورقة الداخل الإيراني في الخطاب الأمريكي، سواء للضغط على طهران أو لإعادة رسم التحالفات الإقليمية وفق أولويات واشنطن المتغيرة.
سياق أوسع: صراع مقاربات لا مجرد تصريحات
التباين بين تصريحات فيدان ورد غراهام لا يقتصر على اختلاف في التقدير السياسي، بل يعكس صراعًا أعمق بين مدرستين في إدارة أزمات الشرق الأوسط: الأولى تركز على الاحتواء ومنع الانفجار، والثانية ترى في التصعيد ودعم التغيير الداخلي أداة لإعادة تشكيل الإقليم.
في ظل استمرار الاحتجاجات المتقطعة داخل إيران، وتزايد الضغوط الغربية، يبقى الملف الإيراني نقطة اختبار حقيقية لعلاقات الولايات المتحدة مع شركائها الإقليميين، وعلى رأسهم تركيا، التي تحاول الموازنة بين التزاماتها الدولية ومخاوفها الأمنية المباشرة.
خلاصة
الرد الأمريكي العنيف على تصريحات هاكان فيدان يكشف اتساع الفجوة بين مقاربة تركية حذرة تسعى لمنع الحرب، ورؤية أمريكية متشددة تدفع نحو تغيير جذري في إيران. هذا التباين مرشح للتصاعد مع تعقّد المشهد الإقليمي وتداخل حسابات الأمن والسياسة والأخلاق.

