تحوّلت الذكرى السابعة والخمسون لتأسيس حزب الحركة القومية إلى مناسبة سياسية ذات حمولة خطابية عالية، بعدما استثمرها رئيس الحزب دولت بهتشلي لتأكيد موقع حزبه داخل معادلة الحكم، وتثبيت تحالفه مع حزب العدالة والتنمية باعتباره – وفق توصيفه – الإطار الوحيد القادر على حماية الدولة ومصالحها العليا.
بهتشلي استهل كلمته بتوجيه الشكر إلى الرئيس رجب طيب أردوغان، في إشارة رمزية تعكس متانة التحالف القائم بين الطرفين، قبل أن ينتقل إلى رسم ملامح الرؤية السياسية والفكرية التي يريد للحزب أن يُنظر من خلالها في المرحلة المقبلة.
هوية أيديولوجية ثابتة ورسائل حادة للخصوم
في جزء بارز من خطابه، شدد بهتشلي على أن حزب الحركة القومية لم يبدّل موقعه الأيديولوجي منذ تأسيسه، مؤكدًا تمسكه بالمرجعية القومية التركية المستندة إلى الفكرة التركية – الإسلامية، وواصفًا حزبه بأنه لا يزال، كما في يومه الأول، معبرًا عن النزعة القومية الصلبة.
في المقابل، شنّ هجومًا مباشرًا على أطراف سياسية وصفها بـ”المُستنسخة” و”الانتهازية”، معتبرًا أنها لا تمتلك هوية فكرية واضحة، ولا تنتمي فعليًا إلى المحافظين أو الديمقراطيين، بل تحولت – بحسب تعبيره – إلى فاعل سياسي متقلب، غادر المسار عند أول اختبار. وأشار إلى أن من تركوا الحزب أو ابتعدوا عنه عبر مسيرته الطويلة، حسموا خياراتهم عند أول عاصفة سياسية.
التحالف الحاكم كعنوان للمستقبل السياسي
أعاد بهتشلي تثبيت تحالف الجمهور باعتباره – من وجهة نظره – التعبير السياسي الوحيد عن آمال الدولة التركية والمجتمع، مؤكدًا أن هذا التحالف لا يقتصر على كونه شراكة انتخابية، بل يحمل “روحًا أخلاقية وتاريخية” تهدف إلى بناء ما يُعرف بـ”قرن تركيا”.
وفي هذا الإطار، ربط بين المشروع السياسي للتحالف وبين مجموعة من القيم التي قال إنها تشكل جوهر المرحلة المقبلة، مثل الاستقرار، السلم الاجتماعي، الرفاه، الحريات، حقوق الإنسان، والديمقراطية، مشددًا على أن هذه القيم لا تتناقض – وفق تصوره – مع المقاربة الأمنية الصارمة التي يتبناها التحالف.
الأمن ومفهوم “تركيا بلا إرهاب”
احتل ملف الأمن ومكافحة الإرهاب حيزًا مركزيًا في خطاب بهتشلي، حيث أكد أن مشروع “تركيا بلا إرهاب” لا يزال أولوية استراتيجية، وأن تحقيقه مرهون بتماسك الجبهة الداخلية وتعزيز التضامن الوطني. واعتبر أن نجاح هذا المسار سيفتح الباب أمام الانتقال من الداخل إلى المحيط، عبر تثبيت ما وصفه بـ”المنطقة الخالية من الإرهاب”.
كما قدّم قراءة جيوسياسية لموقع تركيا، واصفًا إياها بأنها لم تعد فاعلًا إقليميًا فحسب، بل تحولت إلى مركز ثقل عالمي، ما يفرض – وفق رؤيته – سياسات أمنية صارمة، وتحالفات داخلية قوية قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية والتهديدات متعددة الأبعاد.
تحذيرات من المساس بأسس الجمهورية
في لهجة تصعيدية، وجّه بهتشلي تحذيرًا واضحًا لكل من يسعى إلى إعادة فتح النقاش حول أسس الجمهورية وبنيتها التأسيسية، أو يحاول – استنادًا إلى اختلافات عرقية – تقويض وحدة الدولة. واعتبر أن مثل هذه الطروحات لا تندرج ضمن النقاش السياسي المشروع، بل ترقى إلى مستوى التهديد الوجودي للدولة، واصفًا ذلك صراحة بأنه فعل خيانة.
من هو “المركز السياسي” في تركيا؟
أحد المحاور اللافتة في الخطاب كان إعادة تعريف “المركز السياسي” في البلاد. بهتشلي أعلن بوضوح أن هذا المركز يتمثل اليوم في حزب الحركة القومية وتحالف الجمهور، معتبرًا أن محاولات أطراف أخرى لتقديم نفسها كبديل مركزي قد فشلت، وأن النسخ – بحسب تعبيره – لا يمكن أن تتفوق على الأصل.
وفي هذا السياق، أعاد الاعتبار لمفهوم القومية باعتباره قيمة جامعة، مشيرًا إلى أن القومية التي شكّلت أحد أعمدة المرحلة الكمالية الأولى، تعود اليوم لتفرض نفسها مجددًا كقيمة صاعدة في المجتمع التركي، وليس مجرد تيار هامشي أو ظرفي.
قراءة في السياق السياسي الأوسع
يأتي خطاب بهتشلي في مرحلة تشهد فيها الساحة التركية تشددًا متزايدًا في الخطاب القومي، بالتوازي مع التحديات الأمنية، والتوترات الإقليمية، والنقاشات المحتدمة حول الهوية والدستور ومستقبل النظام السياسي. ويعكس هذا الخطاب محاولة واضحة لإعادة تثبيت التحالف الحاكم كمرجعية وحيدة للاستقرار، في مواجهة معارضة منقسمة، ومشهد سياسي يتجه نحو مزيد من الاستقطاب.
الخلاصة
خطاب دولت بهتشلي لم يكن احتفالًا بذكرى حزبية بقدر ما كان إعلانًا سياسيًا متكاملًا لإعادة ترسيم موازين القوة، وتكريس حزب الحركة القومية وتحالف الجمهور كمحور للسلطة، وهوية الدولة، وخياراتها الأمنية في المرحلة المقبلة.

