كشف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عن انعقاد اجتماع رفيع المستوى جمع مسؤولين أتراكًا وإسرائيليين قبل نحو شهر، خُصص لبحث إنشاء آلية تنسيق تهدف إلى منع احتكاكات عسكرية محتملة مرتبطة بالملف السوري.
الإعلان جاء خلال مقابلة إعلامية أجرته معه وكالة الأنباء الأذرية أثناء زيارته إلى باكو، حيث أشار إلى أن اللقاء ضم شخصيات “على مستوى عالٍ” من الجانبين دون الكشف عن طبيعة المشاركين أو الصيغة المؤسسية لهذا التنسيق.
هذا التصريح أعاد تسليط الضوء على اتصالات فنية سبق أن ظهرت إلى العلن في ربيع العام، حين عقد مسؤولون من البلدين محادثات في أذربيجان ركزت على تجنب الحوادث الميدانية بين قوات الطرفين العاملة في الأجواء والميدان السوري. حينها، شددت أنقرة على أن تلك الاتصالات ذات طابع تقني بحت ولا تعني إعادة تطبيع العلاقات السياسية.
سوريا ما بعد الأسد… ساحة تقاطع المصالح
تكتسب هذه التحركات أهمية مضاعفة في ظل التحولات العميقة التي شهدتها سوريا عقب انهيار حكم بشار الأسد، وهو تطور أعاد رسم خريطة النفوذ العسكري والتحالفات الإقليمية. في هذا المشهد المتغير، تسعى قوى إقليمية عدة، من بينها تركيا وإسرائيل، إلى تثبيت مصالحها ومنع خصومها من ملء الفراغ الأمني.
تركيا تحتفظ بقوات عسكرية وفصائل سورية حليفة لها في مناطق واسعة من الشمال السوري، وتعلن أن أولوياتها تتمثل في حماية حدودها ومنع تشكل تهديدات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني. في المقابل، تواصل إسرائيل تنفيذ ضربات جوية داخل الأراضي السورية، مبررة ذلك بمنع تموضع تهديدات قرب حدودها وإحباط شبكات تسليح مرتبطة بإيران وحلفائها.
بعد سقوط النظام السابق، تكثفت تلك الضربات، ما زاد من احتمالات سوء التقدير، خاصة مع دخول أطراف جديدة إلى قواعد ومطارات ومجالات جوية كانت سابقًا تحت سيطرة الجيش السوري.
آلية منع الاحتكاك… إدارة الخطر لا حل الخلاف
الحديث عن إنشاء آلية تنسيق يعكس إدراكًا متبادلًا لمخاطر التصعيد غير المقصود في سوريا، حتى في ظل القطيعة السياسية. هذا النوع من التفاهمات يندرج ضمن إدارة الصراع وليس تسويته، ويهدف إلى ضبط الإيقاع العسكري وتجنب انزلاق ميداني قد يفرض مواجهة مباشرة لا يرغب بها الطرفان في المرحلة الحالية.
وزير الخارجية الإسرائيلي أشار إلى أن بلاده لا تسعى إلى مزيد من التدهور في العلاقات مع تركيا، معربًا عن أمل في مستقبل “أفضل ومختلف”، لكنه ربط أي تحسن بخيارات أنقرة، محمّلًا إياها مسؤولية تراجع العلاقات التي كانت، بحسب وصفه، قوية في السابق.
العلاقات الثنائية… من التطبيع إلى القطيعة
شهدت العلاقات التركية – الإسرائيلية عودة كاملة للتمثيل الدبلوماسي قبل سنوات قليلة، بعد فترة طويلة من الفتور. غير أن هذا المسار انهار مجددًا عقب اندلاع الحرب في غزة، وما تبعها من موقف تركي حاد اتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، ودعم تحركات قانونية وسياسية ضدها في المحافل الدولية.
في خضم ذلك، أعلنت أنقرة وقف التبادل التجاري مع إسرائيل، مبررة الخطوة بالوضع الإنساني في غزة، بينما شكك منتقدون في فعالية القرار، مشيرين إلى استمرار تدفق بعض السلع عبر مسارات غير مباشرة.
سوريا وغزة… ملفات متداخلة لا تنفصل
رغم هذا الانقسام الحاد، يحرص الطرفان على إبقاء الساحة السورية خارج دائرة المواجهة المباشرة. فالتداخل بين ملفات سوريا وغزة جعل أي خطأ تكتيكي قابلًا للتحول إلى أزمة إقليمية أوسع، وهو ما يفسر استمرار قنوات التواصل الأمنية، ولو بحدها الأدنى.
في السياق ذاته، استبعد ساعر حدوث أي تطبيع قريب مع دمشق، معتبرًا أن الاتصالات الجارية تقتصر على تفاهمات أمنية محدودة، ولا ترقى إلى مسار سياسي أو تسوية شاملة، مع إبقاء الباب مواربًا أمام احتمالات مستقبلية إذا جرى احتواء التوترات.
خلاصة
تكشف الاتصالات التركية – الإسرائيلية حول سوريا عن مفارقة لافتة: خصومة سياسية حادة يقابلها تنسيق أمني اضطراري لمنع الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة. في مشهد إقليمي مضطرب، تبدو إدارة الخطر أولوية تتقدم على حل الخلافات.

