دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من الاحتقان السياسي والاجتماعي عقب حادثة تورط عناصر من وحدة الهجرة والجمارك الفيدرالية في مقتل امرأة وإصابة أخريين، وهي واقعة تحولت سريعًا إلى شرارة احتجاجات واسعة امتدت إلى عشرات المدن. ولم تقتصر ردود الفعل على التظاهر، بل شملت مطالبات مباشرة بإخراج عناصر الجهاز من المدن، في تصعيد غير مسبوق.
في المقابل، تبنت الإدارة الفيدرالية بقيادة الرئيس دونالد ترامب خطابًا دفاعيًا حادًا، معتبرة أن عناصر الوحدة واجهوا ما وصفته بـ«إرهاب مضاد» أثناء تنفيذ مهامهم، وهو توصيف ساهم في تعميق الاستقطاب بدل احتوائه.
قراءة في العمق: أمريكا كما يراها أمره أوسلو
من هذه اللحظة المتفجرة، ينطلق الكاتب والمحلل السياسي التركي أمره أوسلو، الذي سبق أن عمل أستاذًا في أكاديمية الشرطة بتركيا، ليقدّم قراءة تحليلية تتجاوز الحدث الآني، معتبرًا أن ما تشهده الولايات المتحدة ليس أزمة طارئة، بل تجلٍ جديد لانقسام تاريخي ضارب في جذور الدولة نفسها.
ويرى أوسلو أن فهم المجتمع الأمريكي لا يمكن اختزاله في المؤشرات الاقتصادية أو التوترات الاجتماعية السطحية، بل يتطلب العودة إلى البنية الفكرية التي تأسست عليها الدولة، حيث يتواجه تياران متناقضان منذ نشأتها: المحافظون والتقدميون.
انقسام بنيوي منذ الآباء المؤسسين
بحسب أوسلو، تشكل الصراع الفكري الأمريكي منذ اللحظة الأولى لقيام الدولة، مع تباين الرؤى بين شخصيات مؤسسة مثل ألكسندر هاميلتون وتوماس جيفرسون. فقد رسّخ المحافظون تصورًا يقوم على تقليص دور الدولة وحماية الأسرة والمجتمع من تدخلها، وهو ما انعكس لاحقًا في التعديلات الدستورية التي كرست حرية التعبير وحق حمل السلاح كضمانة ضد أي نزعة استبدادية.
في المقابل، تشكل التيار التقدمي حول فكرة التطور المستمر للمجتمع، وتوسيع الحقوق الفردية والجماعية، بما يشمل قضايا الإجهاض، والمساواة، وحقوق الأقليات والهويات الجديدة. هذا التناقض، كما يوضح أوسلو، جعل الصدام حالة دائمة في التاريخ الأمريكي، بينما بقي التوافق استثناءً مؤقتًا.
من الحرب الأهلية إلى الاستقطاب المعاصر
يُرجع أوسلو جذور الانقسام الحديث إلى الحرب الأهلية، معتبرًا أن الصراع بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي لم يكن سوى انعكاس اقتصادي لخلاف فلسفي أعمق. فالجنوب دافع عن نظام اجتماعي تقليدي قائم على العبودية، بينما تبنى الشمال مشروعًا يقوم على التقدم الصناعي والابتكار.
ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الخلاف إلى نمط ذهني متجذر في الوعي الجمعي الأمريكي، يعيد إنتاج نفسه في كل مرحلة تاريخية، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي يشهد فيها الصراع عودة حادة داخل مؤسسات الدولة الفيدرالية نفسها.
ترامب وإحياء “الحرب الثقافية”
يرى أوسلو أن الرئيس دونالد ترامب أعاد إحياء ما يمكن تسميته بـ«الحرب الثقافية»، عبر خطاب يستنهض القواعد الإنجيلية والمحافظة في مواجهة ما يصفه بالليبرالية المتوحشة القادمة من المدن الكبرى والجامعات. ويؤكد أن هذا الخطاب لا يستهدف خصومًا سياسيين فحسب، بل يعيد تعريف العدو الداخلي وفق معايير ثقافية وهوياتية.
الجامعات: ساحة الصراع على المستقبل
يشير أوسلو إلى أن الجامعات الأمريكية باتت نقطة اشتباك مركزية في هذا الصراع، إذ تُظهر التجربة أن الطلاب يخرجون من التعليم العالي أكثر ميلًا إلى الانفتاح والتحرر الفكري. هذا التحول جعل الجامعات هدفًا مباشرًا لخطاب اليمين المحافظ، الذي يراها مصانع لإنتاج الليبرالية.
وبحسب تحليله، أصبحت المدن الكبرى والمؤسسات الأكاديمية تُقدَّم داخل الخطاب المحافظ باعتبارها مصدر تهديد لبنية الأسرة والقيم التقليدية، ما يفسر الهجمات السياسية والإعلامية المتزايدة عليها، وكذلك محاولات التضييق المالي والتشريعي.
الهجرة: بؤرة الاشتباك الأكثر حساسية
يضع أوسلو ملف الهجرة في قلب الصراع الأمريكي المعاصر، موضحًا أن المحافظين ينظرون إليها كخطر وجودي يهدد الهوية الثقافية والدينية، بينما يراها التقدميون امتدادًا طبيعيًا لفكرة الأمة المتعددة.
ويشير إلى أن التغير الديمغرافي المتسارع، مع تراجع نسبة البيض واقتراب الأقليات من تشكيل أغلبية سكانية، فاقم مشاعر القلق داخل القواعد الجمهورية، خاصة في المناطق الريفية. ويضيف أن موقف الكنائس المحافظة يبدو متناقضًا، إذ تعارض الهجرة سياسيًا، لكنها في الوقت ذاته تستفيد ماليًا من برامج إعادة توطين اللاجئين.
تسييس الأجهزة الأمنية وتداعياته
من أخطر التحولات، بحسب أوسلو، ما شهده جهاز الهجرة والجمارك الفيدرالية من توسع سريع في التجنيد، مع تقليص فترة التدريب بشكل لافت. ويرى أن هذه السياسة تعكس توظيفًا سياسيًا مباشرًا للأجهزة الأمنية، خاصة مع استقطاب عاطلين عن العمل من المناطق الريفية المتضررة من الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
ويخلص إلى أن هذه التركيبة أنتجت جهازًا مسلحًا مشبعًا بخطاب عدائي تجاه المهاجرين، ومدعومًا برسائل سياسية سلطوية من قمة الهرم، ما يفسر تصاعد الحوادث العنيفة المرتبطة بعمله.
مينيسوتا: السياسة على وقع الهوية
يتوقف أوسلو عند تطورات ولاية مينيسوتا، حيث تحولت قضايا فساد داخل جمعيات صومالية إلى أداة سياسية استُخدمت لضرب الحاكم الديمقراطي تيم وولز، أحد الأسماء البارزة المرشحة لقيادة الحزب الديمقراطي مستقبلًا.
ويرى أن الهجوم لم يكن إداريًا فحسب، بل حمل أبعادًا هوياتية، خاصة مع استهداف نائبة صومالية محجبة في الكونغرس، فيما اعتبره أوسلو تعبيرًا رمزيًا عن صدام أعمق مع التعددية. ويشير إلى أن الضغوط انتهت بإقصاء وولز عن سباق الولاية، في خطوة يراها جزءًا من استراتيجية لاحتواء التمدد الديمقراطي في ولايات الشمال.
الاقتصاد كأداة خطابية لا كحل
رغم تراجع أسعار الوقود إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات، يعتقد أوسلو أن هذا العامل لن يخفف من حدة الانقسام. فالفقر في الأرياف، وغلاء المدن، والفجوة التعليمية، تظل عناصر مولدة للغضب الشعبوي، وتغذي الخطاب الرافض للهجرة والانفتاح.
ويتوقع أن تشهد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تصعيدًا أكبر، مع سعي الجمهوريين لربط أزمات الحكم بفشل سياسات الحدود، مقابل تمسك الديمقراطيين بسردية أمريكا المنفتحة على الفرص والتعدد.
إعادة تموضع لا حرب أهلية
يختتم أمره أوسلو تحليله بالتأكيد أن الولايات المتحدة لا تقف على أعتاب حرب أهلية، بل تمر بمرحلة إعادة اصطفاف سياسي واجتماعي، هي جزء من دورة تاريخية متكررة. ويذكّر بأن البلاد تجاوزت مراحل أشد عنفًا واضطرابًا في تاريخها، وخرجت منها أكثر تماسكًا.
الخلاصة
وفق قراءة أمره أوسلو، تعيش الولايات المتحدة لحظة إعادة تشكيل عميقة لصراعها التاريخي بين المحافظة والتقدمية. الصدام مستمر ومحتدم، لكنه يعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة أكثر مما يهدد الأسس الدستورية للدولة.

