في خطوة تعكس انتقال العلاقات التركية–الماليزية من مستوى التنسيق السياسي إلى شراكة صناعية عميقة، اتفق البلدان على إنشاء حوض سفن مشترك في ولاية ملقا جنوب ماليزيا، باستثمار يُقدَّر بمئات الملايين من الدولارات، وعلى أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.
المشروع، الذي يحمل اسم حوض سفن إنريكي في ملقا، يُعد مؤشراً على إعادة تموضع تركي–آسيوي في الصناعات البحرية والدفاعية، مع ربط مباشر بين القدرات التقنية التركية والطموحات الصناعية الماليزية.
ملقا… الموقع الحساس في قلب التجارة العالمية
سيُقام الحوض الجديد على مساحة تقارب 9.4 هكتارات من الساحل المطل على مضيق ملقا، أحد الشرايين البحرية الأكثر أهمية في حركة التجارة الدولية، ما يمنح المشروع بعداً جيو–اقتصادياً يتجاوز الإطار الثنائي.
ومن المخطط أن يبدأ تشغيل الحوض بحلول عام 2028، ليخدم مجالات متعددة تشمل بناء السفن، صيانتها، الخدمات البحرية، أعمال التصنيع المعدني، إضافة إلى دعم أنشطة السياحة البحرية.
شراكة صناعية متعددة الأطراف
يقوم المشروع على صيغة استثمارية مشتركة تجمع بين شركة ديسان التركية لبناء السفن وشركاء ماليزيين، في مقدمتهم SM-WEZ Corporation وHenry The Black Shipyard، في إطار مشروع مشترك يُقدَّر حجمه الاستثماري بنحو 443 مليون دولار.
وجاء الإعلان عن تفاصيل المشروع عقب زيارة رئيس وزراء ولاية ملقا، عبد رؤوف يوسف، إلى منشآت ديسان في إسطنبول، حيث أكد أن الحوض الجديد سيشكّل منصة إقليمية للصناعات البحرية المتقدمة في جنوب شرق آسيا.
البعد الدفاعي: سفن مهام متعددة وتقنيات غير مأهولة
لم يقتصر التعاون على البنية التحتية الصناعية، بل تزامن مع توقيع عقد دفاعي جديد بين ديسان ووزارة الداخلية الماليزية لبناء سفينة المهام متعددة الأغراض الثانية لصالح وكالة الإنفاذ البحري الماليزية.
السفينة الجديدة، التي يبلغ طولها 99 متراً، صُممت لتعمل لمدة تصل إلى 30 يوماً في البحر دون إمداد، وتستوعب طاقماً يضم 70 فرداً إضافة إلى 30 راكباً. كما ستُجهَّز بزوارق استجابة سريعة، ومسيّرتين جويتين قادرتين على الإقلاع والهبوط العمودي، ومهبط مروحيات يتحمل أوزاناً تصل إلى 11 طناً.
وتشمل التجهيزات أيضاً مرفقاً طبياً ومناطق احتجاز تتسع لـ45 شخصاً، إلى جانب أنظمة تسليح واتصالات وإلكترونيات متقدمة تتولى تطويرها شركتا أسيلسان وهافلسان التركيتان.
سابقة تقنية: أول تصدير تركي لمركبة سطحية غير مأهولة
يشكّل إدراج مركبة سطحية غير مأهولة ضمن تجهيزات السفينة محطة فارقة للصناعة الدفاعية التركية، إذ تمثل أول عملية تصدير تركية لهذا النوع من الأنظمة البحرية غير المأهولة، ما يعكس انتقال تركيا من دور المستخدم إلى المورّد في هذا المجال المتقدم.
في موازاة ذلك، لا تزال السفينة الأولى من الفئة ذاتها قيد الإنشاء في تركيا، مع توقع تسليمها للجانب الماليزي قبل نهاية عام 2027.
إطار استراتيجي أوسع: من الصناعة إلى السياسة
تندرج هذه المشاريع ضمن حزمة اتفاقات أوسع وُقّعت خلال الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم إلى تركيا، بدعوة من الرئيس رجب طيب أردوغان، والتي شهدت توقيع سبع وثائق تعاون في مجالات متعددة.
أبرز هذه الخطوات كان الإعلان عن تأسيس مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، برئاسة مشتركة من قيادتي الدولتين، في امتداد للتفاهمات التي وُضعت خلال زيارة أردوغان إلى كوالالمبور في وقت سابق.
توسّع التعاون خارج الإطار العسكري
إلى جانب الدفاع والصناعات البحرية، شملت الاتفاقات مجالات التكنولوجيا الرقمية، البحث العلمي، التعاون المالي بين مؤسسات ائتمان الصادرات، تشجيع الاستثمارات، إضافة إلى تعزيز الشراكة الأكاديمية عبر لجنة التعليم العالي المشتركة.
كما جرى تبادل محاضر الاجتماع الأول للجنة التركية–الماليزية للتعليم العالي، في إشارة إلى سعي الجانبين لبناء شراكة طويلة الأمد تمتد إلى رأس المال البشري.
رسائل سياسية متبادلة
في المؤتمر الصحفي المشترك، وصف الرئيس أردوغان التعاون الدفاعي بين البلدين بأنه قائم على مبدأ “المنفعة المتبادلة”، مؤكداً أن الشراكة تتوسع نحو التقنيات المتقدمة. كما ربط الدور الماليزي داخل رابطة آسيان بالمبادرة التركية “آسيا من جديد”، التي أطلقت لتعزيز الحضور التركي في القارة الآسيوية.
من جهته، اعتبر أنور إبراهيم أن أنقرة تمثل شريكاً استراتيجياً في مسار النمو القائم على الابتكار الذي تتبناه بلاده، وهو ما تُوّج بمنحه وسام الجمهورية التركية، أعلى وسام تمنحه تركيا لقادة الدول.
خلاصة
يمثل مشروع حوض السفن في ملقا نقطة تحوّل في العلاقات التركية–الماليزية، حيث تلتقي الصناعة الدفاعية مع الجغرافيا الاستراتيجية، في شراكة تعكس طموحاً مشتركاً لتثبيت موطئ قدم دائم في سلاسل الإمداد البحرية والتقنيات المتقدمة في آسيا.

