تتحرك الحكومة التركية نحو إدخال تنظيم قانوني جديد يقضي بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال دون سن الخامسة عشرة، ضمن مشروع تشريعي أوسع يُتوقع إحالته إلى اللجنة البرلمانية المختصة قبل نهاية شهر يناير.
الخطوة تأتي في إطار سياسة اجتماعية وقائية، أعلنت عنها وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية ماهينور أوزدمير غوكطاش عقب اجتماع لمجلس الوزراء.
تحويل العبء من الأسرة إلى المنصات
المقترح لا يقتصر على منع فتح الحسابات لمن هم دون السن المحددة، بل يحمّل شركات التواصل الاجتماعي مسؤوليات مباشرة، من بينها الامتناع عن تقديم خدماتها لهذه الفئة العمرية، وتطبيق أنظمة ترشيح فعّالة تحول دون تعرّض القاصرين لمحتوى ضار. ووفق الرؤية الحكومية، فإن إدارة المخاطر الرقمية لم تعد مسألة تُلقى على عاتق العائلات وحدها، بل تتطلب التزامات تقنية وقانونية واضحة من الشركات المشغلة للمنصات.
مسار تشاوري ممتد
تؤكد الوزيرة أن العمل على التشريع استمر قرابة عام ونصف، وشمل مشاورات واسعة مع أكاديميين وخبراء ومؤسسات مجتمع مدني، إضافة إلى عائلات وأطفال وممثلين عن شركات التواصل الاجتماعي نفسها. هذا المسار، بحسب التصريحات الرسمية، يعكس إدراك السلطات لتعقيد البيئة الرقمية، ورفضها الاستمرار في وضع يتحول فيه الأطفال إلى أهداف تجارية مفتوحة داخل الفضاء الافتراضي.
أبعاد نفسية وأمنية
تُقدَّم المبادرة باعتبارها جزءًا من سياسة أشمل لحماية الطفولة، مدعومة بمعطيات تشير إلى ارتباط الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات السلوك لدى الأطفال. إلى جانب ذلك، تبرز مخاوف أمنية تتعلق باستغلال شبكات إجرامية لبعض المنصات للوصول إلى القاصرين ودفعهم نحو أنشطة غير قانونية، ما يضفي على التشريع بعدًا وقائيًا مزدوجًا، نفسيًا وأمنيًا.
إطار حماية رقمي متكامل
ترى الحكومة أن الهدف ليس عزل الأطفال عن التكنولوجيا، بل إدماجهم فيها ضمن بيئة أكثر أمانًا. ولهذا يُفهم التشريع المقترح كجزء من منظومة حماية أوسع، تسعى إلى ضمان استفادة القاصرين من الفضاء الرقمي دون تعريض سلامتهم الذهنية والعاطفية لمخاطر جسيمة، مع التأكيد على واجب الدولة في حماية عقول الأطفال كما تحمي أجسادهم.
إجراءات موازية ورقابة مستمرة
في السياق ذاته، أشارت الوزيرة إلى إطلاق منصة إلكترونية وتطبيق هاتفي تحت عنوان «الأطفال بأمان»، يقدمان إرشادات ومحتوى آمنًا للأسر، ويتيحان طلب المساعدة الطارئة عبر زر واحد. كما تعمل فرق متخصصة على مراقبة المحتوى الرقمي على مدار الساعة. ووفق البيانات الرسمية، جرى التدخل المباشر حيال آلاف المواد الضارة، عبر الإحالة إلى القضاء وطلب حجب الوصول من خلال هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى دفع الشركات للتحرك الاستباقي بدل الاكتفاء بالاستجابة بعد القرارات القضائية.
بين التجربة السابقة والتشريع الجديد
يأتي هذا التوجه امتدادًا لمحاولات سابقة لتنظيم استخدام الإنترنت من قبل الأطفال، أبرزها خدمة «الإنترنت الآمن» التي أُطلقت قبل أكثر من عقد. غير أن تلك الإجراءات وُوجهت بانتقادات واسعة اعتبرتها غير كافية، ما عزز المطالب بوضع أطر أكثر صرامة وفاعلية، وهو ما تحاول السلطات معالجته عبر التشريع الجديد.
خلاصة
يعكس مشروع القانون تحوّلًا في المقاربة التركية تجاه حماية الأطفال في الفضاء الرقمي، من سياسات توجيهية محدودة إلى تنظيم قانوني يفرض التزامات مباشرة على المنصات. وبين هواجس الصحة النفسية والأمن الرقمي، تسعى أنقرة إلى إعادة رسم حدود العلاقة بين القاصرين ووسائل التواصل الاجتماعي.

