تكشف البيانات الرسمية المتعلقة بالخصخصة في تركيا عن تحوّل جذري في فلسفة إدارة الاقتصاد العام منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة مطلع الألفية. فخلال أكثر من عقدين من الحكم، أصبحت الخصخصة إحدى الركائز الأساسية للسياسة الاقتصادية، سواء من حيث الحجم أو القيمة أو طبيعة الأصول التي جرى التخلي عنها، في قطيعة واضحة مع المرحلة السابقة.
قفزة تاريخية في عائدات بيع الأصول العامة
وفق المعطيات الرسمية، بلغ إجمالي عائدات الخصخصة في تركيا منذ بدء تطبيقها عام 1986 وحتى عام 2002 ما يزيد قليلًا على ثلاثة مليارات ليرة تركية فقط. في المقابل، سجلت الفترة الممتدة من 2003 إلى 2025 عائدات وصلت إلى نحو 192.6 مليار ليرة، ما يعني أن إيرادات الخصخصة في عهد العدالة والتنمية ارتفعت بما يعادل ثلاثة وستين ضعفًا مقارنة بكل ما تحقق قبل وصوله إلى الحكم.
هذه القفزة لا تعكس مجرد تسارع في وتيرة البيع، بل تشير إلى انتقال الخصخصة من أداة اقتصادية ثانوية إلى سياسة مركزية في إدارة موارد الدولة.
الأرض والعقار… من هامش السياسة إلى قلبها
أحد أبرز التحولات تمثّل في الدور المتنامي لبيع الأراضي والعقارات العامة. ففي الفترة السابقة لعام 2002، لم تتجاوز عائدات بيع الأملاك العامة خمسة وخمسين مليون ليرة، وهو رقم محدود قياسًا بإجمالي الخصخصة آنذاك. أما في عهد الحكومات المتعاقبة للعدالة والتنمية، فقد تحولت الأراضي والعقارات إلى عنصر رئيسي في هذه السياسة، مسجلة أكثر من 46.5 مليار ليرة، لتصبح أحد أعمدة برنامج الخصخصة المالي.
هذا التحول يعكس تغييرًا في طبيعة الأصول المباعة، من مؤسسات إنتاجية فقط إلى ممتلكات سيادية ارتبطت تاريخيًا بالملك العام.
رؤية سياسية معلنة منذ البداية
لم تكن هذه السياسة وليدة ظروف طارئة، بل جرى الإعلان عنها بوضوح في السنوات الأولى من حكم الحزب. فقد أكد وزير المالية الأسبق كمال أوناقيتان، الذي شغل المنصب في البدايات وتوفي لاحقًا، أن الدولة ستنسحب من النشاط الاقتصادي، سواء في المؤسسات الرابحة أو الخاسرة، مع فتح الباب واسعًا أمام المستثمرين المحليين والأجانب للمشاركة في شراء الأصول العامة.
بهذا الطرح، تم إرساء إطار فكري يعتبر تقليص دور الدولة هدفًا بحد ذاته، لا مجرد أداة لمعالجة أزمات مالية مؤقتة.
ذروة غير مسبوقة في السنوات الأخيرة
تُظهر الأرقام السنوية أن وتيرة الخصخصة لم تكن ثابتة، بل شهدت موجات صعود وهبوط. ففي عام 2003، لم تتجاوز الإيرادات بضع مئات الملايين من الليرات، قبل أن ترتفع بشكل ملحوظ منتصف العقد الأول من حكم الحزب، ثم تتراجع في بعض السنوات اللاحقة.
غير أن عام 2025 شكّل نقطة تحول لافتة، إذ سجل أعلى عائد سنوي للخصخصة في تاريخ العدالة والتنمية، متجاوزًا 61.5 مليار ليرة في عام واحد. هذا الارتفاع الحاد جاء بعد سنوات من تراجع نسبي، حيث سجلت الإيرادات مستويات أدنى في أعوام مثل 2017 و2023، قبل أن تعود للارتفاع بقوة، في سياق مالي يتسم بضغط متزايد على موارد الدولة.
جدل سياسي مستمر حول الثمن والنتائج
منذ بدايات هذه السياسة، شكّلت الخصخصة أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الحياة السياسية التركية. فمنتقدوها يرون أن الدولة تخلّت عن أصول استراتيجية جرى بناؤها على مدى عقود، وأن بعض عمليات البيع تمت بأسعار أدنى من قيمتها الفعلية، ما أضعف السيطرة العامة على قطاعات حيوية، وقلّص قدرة الدولة على توجيه الاقتصاد.
في المقابل، يدافع مؤيدو الخصخصة عن هذه السياسة باعتبارها وسيلة لتقليص العبء المالي على الخزينة، وجذب الاستثمارات، وتوفير موارد في فترات الضيق المالي، مؤكدين أن بقاء الدولة لاعبًا اقتصاديًا واسعًا لم يعد قابلًا للاستدامة.
مؤسسات كبرى خرجت من الملكية العامة
شملت موجة الخصخصة خلال العقدين الماضيين بيعًا كليًا أو جزئيًا لعدد من أبرز الشركات والمؤسسات المملوكة للدولة، في قطاعات الطاقة والصناعة الثقيلة والاتصالات والمال والنقل. من بين هذه الأصول شركات ومرافق شكلت لعقود جزءًا من البنية الاقتصادية للجمهورية، إضافة إلى مطارات وموانئ استراتيجية ومؤسسات صناعية وتجارية كبرى.
هذا الاتساع في نطاق الخصخصة جعل من بيع الأصول العامة سمة فارقة للسياسة الاقتصادية في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، وأحد أكثر الملفات التي تعكس طبيعة التحول في علاقة الدولة بالاقتصاد.
الخلاصة
تكشف أرقام الخصخصة عن تحوّل عميق في الدور الاقتصادي للدولة التركية، حيث أصبحت عمليات بيع الأصول العامة سياسة مركزية لا استثنائية. وبين من يراها ضرورة مالية ومن يعدّها تفريطًا استراتيجيًا، تبقى الخصخصة أحد أكثر إرث العدالة والتنمية إثارة للجدل.

