لم يعد التصعيد الأميركي الأخير تجاه فنزويلا حدثًا عابرًا في سجل التوترات التقليدية بين واشنطن وكاراكاس، بل تحوّل إلى مشهد مركّب تتداخل فيه الحسابات الداخلية الأميركية مع صراعات الطاقة، وتوازنات القوى الكبرى، وإعادة رسم النفوذ في أميركا اللاتينية.
ووفق التحليل الذي يقدمه الباحث الأكاديمي التركي إمداد أونر، في مقاله بموقع “وَلَوْ” التركي، فإن ما يجري في البحر الكاريبي يتجاوز بكثير خطاب “مكافحة المخدرات”، ليكشف عن استراتيجية أميركية متعددة المسارات تستهدف النظام الفنزويلي بوصفه عقدة جيوسياسية لا مجرد خصم سياسي.
استعراض القوة… حين تتحول مكافحة المخدرات إلى غطاء سياسي
شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا عسكريًا لافتًا، مع نشر الولايات المتحدة إحدى أقوى مجموعاتها البحرية في البحر الكاريبي، يتقدمها حاملة الطائرات العملاقة USS Gerald R. Ford، مدعومة بمدمرات وغواصات وسفن خفر السواحل. في الرواية الرسمية، جرى تقديم هذا الانتشار بوصفه جزءًا من “حرب على شبكات تهريب المخدرات”. غير أن تسلسل الأحداث، وطبيعة العمليات، وسياقها السياسي، سرعان ما أظهر أن المسألة أبعد من مجرد ضبط قوارب تهريب.
خلال فترة قصيرة، نُفذت عمليات بحرية متعددة أسفرت عن إغراق زوارق فنزويلية بزعم تورطها في التهريب، وهو ما اعتبرته كاراكاس انتهاكًا مباشرًا لسيادتها، وإعلانًا فعليًا لحالة عدائية مفتوحة. ردّ النظام الفنزويلي بإعلان تعبئة ملايين من عناصر الميليشيات الاحتياطية، وتسريع الاستعدادات الدفاعية تحت شعار “حماية الوطن”.
ويرى الخبير في شؤون أميركا اللاتينية إمداد أونر، الذي يكتب لمجلات دولية مرموقة، أن هذا التصعيد لم يكن عرضيًا، بل محسوبًا بعناية، ويهدف إلى خلق حالة توتر مستدامة قد تُستخدم لاحقًا لتبرير خطوات أشد قسوة، سياسيًا أو عسكريًا.
الهجرة والمخدرات… سلاح ترامب في الداخل الأميركي
في قلب هذه السياسة، يبرز البعد الداخلي الأميركي بوصفه عنصرًا حاسمًا. فمنذ عودته إلى الواجهة السياسية، أعاد دونالد ترامب توظيف ملف فنزويلا في خطابه الشعبوي، رابطًا بين الهجرة غير النظامية والأمن القومي. ألغيت التسهيلات التي مُنحت سابقًا للمهاجرين الفنزويليين، وجرى تصويرهم كامتداد مباشر لـ”جريمة منظمة عابرة للحدود”.
وفي هذا السياق، حاولت الإدارة إعادة تفعيل قوانين قديمة تتيح الترحيل الجماعي في حالات الحرب، لكنها اصطدمت بعقبات قانونية داخلية. عند هذه النقطة، يلفت أونر إلى أن رفع مستوى التوتر مع فنزويلا يخدم غاية سياسية داخلية: خلق مناخ يمكن تسويقه كـ”حالة صراع”، ما يفتح الباب أمام إجراءات استثنائية بحق مئات الآلاف من المهاجرين.
أما ملف المخدرات، فقد جرى نقله خطوة أبعد، مع تصنيف كارتلات مرتبطة بفنزويلا على قوائم “الإرهاب”، وهو تصنيف يتيح لواشنطن استخدام أدوات كانت حكرًا على ساحات الشرق الأوسط. وبهذا، لم تعد المعركة أمنية فحسب، بل تحولت إلى مسار قانوني وسياسي يشرعن التدخل خارج الحدود.
فنزويلا وساحة الصراع الأكبر: الصين وروسيا وإيران
على المستوى الجيوسياسي، يضع إمداد أونر السياسة الأميركية في إطار أوسع، يتمثل في محاولة واشنطن استعادة السيطرة على فضائها التقليدي في نصف الكرة الغربي. فخلال العقدين الماضيين، توسع النفوذ الصيني والروسي في أميركا اللاتينية بشكل غير مسبوق، مستندًا إلى الاستثمارات، والتمويل، والتعاون العسكري والتقني.
في فنزويلا تحديدًا، لعبت موسكو وبكين دورًا محوريًا في إبقاء النظام قائمًا، سواء عبر دعم قطاع الطاقة أو عبر الإسناد العسكري والاستخباراتي. وإلى جانب ذلك، برزت طهران كلاعب غير تقليدي، مستخدمة كاراكاس كمنفذ للالتفاف على العقوبات، ومركزًا لتبادل النفط والذهب والخدمات التقنية.
من هذا المنظور، لا تُقرأ فنزويلا كدولة معزولة، بل كحلقة في شبكة أوسع. ويذهب أونر إلى أن إسقاط مادورو، أو إضعافه بشدة، سيعني ضربة مباشرة لمحور دولي تسعى واشنطن إلى تطويقه، فيما يشبه إعادة إحياء محدثة لـ”مبدأ مونرو” بصيغة القرن الحادي والعشرين.
غيانا… قلب المعركة الحقيقي
ورغم أن فنزويلا تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في العالم، إلا أن بوصلة الصراع الأميركي، وفق هذا التحليل، تتجه شرقًا نحو غيانا. فالاكتشافات النفطية الضخمة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، حولتها إلى أحد أسرع مراكز الطاقة نموًا في المنطقة، تحت إدارة شركات أميركية كبرى.
هذا التحول أعاد إشعال النزاع الحدودي القديم بين كاراكاس وجورجتاون حول إقليم إيسيكويبو. ومع تمسك فنزويلا بمطالبها التاريخية، رأت واشنطن في مادورو تهديدًا مباشرًا لمصالحها الطاقوية المستقبلية. وهنا، تصبح المواجهة مع النظام الفنزويلي جزءًا من معركة أوسع لتأمين خريطة الطاقة الجديدة في أميركا اللاتينية.
ما بعد فنزويلا… سيناريو التمدد
يخلص إمداد أونر إلى أن فنزويلا ليست سوى نقطة البداية. ففي حال نجاح هذه الاستراتيجية، قد تمتد الضغوط الأميركية إلى دول أخرى تُصنّف في خانة “الأنظمة المارقة” في المنطقة، مثل كوبا ونيكاراغوا. بذلك، يسعى ترامب إلى تقديم نفسه كزعيم أعاد فرض الهيمنة الأميركية في “الحديقة الخلفية”، مستخدمًا مزيجًا من القوة العسكرية، والأدوات القانونية، والضغط الاقتصادي.
الخلاصة
وفق قراءة إمداد أونر، تتحول فنزويلا اليوم إلى ساحة اختبار لاستراتيجية أميركية شاملة، تتقاطع فيها حسابات الداخل الأميركي مع صراع الطاقة والنفوذ العالمي. ما يجري ليس أزمة عابرة، بل فصل جديد من إعادة تشكيل القوة في أميركا اللاتينية.

