شهد عام 2025 تصعيدًا لافتًا في الحملة الأمنية والقضائية التي تستهدف من تتهمهم السلطات بالانتماء إلى حركة فتح الله كولن، حيث أعلنت وزارة الداخلية توقيف آلاف الأشخاص ضمن هذا الملف.
وبحسب المعطيات الرسمية، أصدرت المحاكم التركية قرارات باعتقال أكثر من ألف وستمائة شخص خلال العام الجاري، فيما أُفرج عن أكثر من ألف وخمسمائة آخرين مع إخضاعهم لإجراءات رقابة قضائية.
عمليات أمنية واسعة النطاق
التصعيد لم يقتصر على قرارات قضائية فقط، بل ترافق مع عمليات ميدانية نفذتها قوات الدرك خلال الأسابيع الأخيرة في ثماني وعشرين ولاية تركية. وأسفرت هذه العمليات عن توقيف عشرات الأشخاص، أُودع نصفهم السجن، بينما أُطلق سراح عدد محدود بشروط قضائية، في حين لا تزال الإجراءات القانونية مستمرة بحق آخرين.
طبيعة الاتهامات وأدوات الملاحقة
السلطات وجّهت للموقوفين اتهامات تتعلق بأنشطة تُصنَّف على أنها مرتبطة بحركة كولن، من بينها التواصل عبر هواتف عمومية، تقديم تبرعات لمؤسسات خيرية يُعتقد أنها على صلة بالحركة، أو نشر محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي تعتبره الدولة متوافقًا مع خطابها.
وتبرز في هذا السياق ما يُعرف بقضايا “الهواتف العمومية”، وهي تحقيقات تستند إلى سجلات المكالمات فقط، دون الاطلاع على مضمونها، إذ تفترض النيابة أن استخدام هاتف واحد للاتصال بعدة أشخاص بشكل متتالٍ يشير إلى وجود شبكة تنظيمية، وهو افتراض أثار جدلًا قانونيًا واسعًا داخل الأوساط الحقوقية.
خلفية الصراع مع الحركة
تعود جذور المواجهة بين الحكومة التركية وحركة كولن إلى نهاية عام 2013، عندما طالت تحقيقات فساد شخصيات بارزة في الدولة ومحيط السلطة. الرئيس رجب طيب أردوغان اعتبر تلك التحقيقات محاولة انقلابية ناعمة، وبدأ بعدها مسارًا تصاعديًا لاستهداف الحركة، قبل أن يُصنّفها منظمة إرهابية لاحقًا، ويُكثّف الحملة عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف عام 2016، التي تتهم أنقرة الحركة بالوقوف خلفها، وهو ما تنفيه الأخيرة بشكل قاطع.
أرقام تعكس اتساع الملف
الإحصاءات القضائية الأحدث تكشف عن حجم غير مسبوق لهذا الملف، إذ تجاوز عدد المدانين بتهم تتعلق بالحركة مئة وستة وعشرين ألف شخص منذ عام 2016، ولا يزال أكثر من أحد عشر ألفًا يقبعون في السجون. كما تستمر الإجراءات القضائية بحق عشرات الآلاف، فيما يبقى عشرات الآلاف الآخرين قيد التحقيق المفتوح بعد قرابة عقد من الزمن على بدء الحملة.
تداعيات إنسانية واجتماعية
إلى جانب السجون والمحاكم، دفعت هذه الحملة آلاف الأشخاص إلى مغادرة البلاد تفاديًا للملاحقات، ما خلّف آثارًا عميقة على النسيج الاجتماعي، وفتح بابًا واسعًا للنقاش حول استقلال القضاء، ومعايير المحاسبة، وحدود الإجراءات الاستثنائية المستمرة منذ سنوات.

