عادت مدينة حلب إلى واجهة التوتر الأمني بعد اشتباكات دامية بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، في توقيت حساس يسبق المهلة المحددة لتنفيذ اتفاق دمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة.
التصعيد جاء ليكشف هشاشة التفاهمات القائمة، ويضع اختبارًا عمليًا أمام اتفاق العاشر من آذار الذي يفترض أن ينهي ازدواجية السلاح والسلطة في الشمال الشرقي السوري قبل نهاية العام.
أوامر متبادلة بوقف النار… وروايات متناقضة
مع تصاعد المواجهات، أصدر الجيش السوري توجيهًا بوقف استهداف مصادر النيران، فيما أعلنت “قسد” أنها أمرت قواتها بعدم الرد على الهجمات. ورغم هذا الإعلان المتزامن، تبادلت الأطراف الاتهامات بشأن الطرف الذي بدأ الاشتباكات، في مشهد يعكس عمق انعدام الثقة بين الجانبين.
السلطات السورية تحدثت عن سقوط قتيلين مدنيين وإصابة آخرين نتيجة قصف على أحياء في حلب، بينما قالت “قسد” إن قصفًا صاروخيًا ومدفعيًا استهدف مناطق الشيخ مقصود والأشرفية الخاضعتين لسيطرتها، متسببًا بمقتل امرأة وإصابة عدد من المدنيين. وفي حين نفت وزارة الدفاع السورية استهداف مواقع “قسد”، نفت الأخيرة بدورها قصف أحياء المدينة، ما أبقى حقيقة ما جرى عالقة بين روايتين متناقضتين.
الشيخ مقصود والأشرفية… عقدة أمنية قديمة
الاشتباكات تركزت في أحياء ذات غالبية كردية ظلت خارج السيطرة الكاملة لدمشق رغم اتفاق فصل سابق مع السلطات الانتقالية الجديدة. وزارة الداخلية السورية اتهمت قوات كردية بمهاجمة عناصر حكومية في نقاط تفتيش مشتركة، بينما ردت “قسد” باتهام فصائل مرتبطة بالحكومة المؤقتة بتنفيذ هجوم على أحد الحواجز. هذا التداخل الأمني يعكس تعقيد السيطرة الميدانية في مدينة ما زالت تعيش آثار جولات سابقة من العنف.
اتفاق الدمج… تقدم بطيء وضغوط متصاعدة
ينص الاتفاق الموقع في آذار على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لـ”قسد” في بنية الدولة السورية، غير أن الخلافات حول الصلاحيات والانتشار العسكري عطلت التنفيذ رغم الضغوط الدولية والإقليمية. وفي تطور لافت، قدمت دمشق مؤخرًا أول مقترح مكتوب لتطبيق الاتفاق، يتضمن إعادة هيكلة القوات الكردية ضمن تشكيلات عسكرية، مع بقائها منتشرة في مناطق سيطرتها شمال شرق البلاد وتحت قياداتها الحالية، بما في ذلك وحدات خاصة للنساء.
السلطات السورية أكدت أنها تدرس رد “قسد” على المقترح، معتبرة أن المعيار الحاسم هو تحقيق المصلحة الوطنية ووحدة الأراضي السورية، في إشارة إلى أن الباب ما زال مفتوحًا للتفاوض رغم التصعيد الميداني.
أنقرة تدخل بثقلها: الاستقرار خط أحمر
على وقع هذه التطورات، برز الدور التركي بوضوح. ففي دمشق، عقد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إلى جانب وزير الدفاع ورئيس الاستخبارات، لقاءات مع الرئيس السوري أحمد الشرع، في إطار تنسيق متزايد بين أنقرة ودمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد.
فيدان شدد على أن دمج “قسد” يجب أن يتم عبر الحوار والمصالحة وبشفافية، محذرًا من أن استمرار القوات الكردية خارج بنية الدولة يشكل عائقًا أمام وحدة سوريا واستقرارها الطويل الأمد. كما اتهمها بعدم إظهار الجدية الكافية في تنفيذ الاتفاق، رابطًا بشكل مباشر بين استقرار سوريا وأمن تركيا، في ظل حدود مشتركة طويلة شهدت عمليات عسكرية تركية متكررة ضد “قسد”.
الأمن الإقليمي وهاجس عودة “داعش”
المباحثات السورية – التركية لم تقتصر على ملف “قسد”، بل شملت أيضًا التنسيق في مكافحة الإرهاب ومنع عودة تنظيم “داعش”، الذي لا يزال يشكل تهديدًا كامنًا في مناطق عدة. هذا البعد الأمني يمنح ملف دمج القوات الكردية بعدًا إقليميًا أوسع، يتجاوز كونه شأنًا داخليًا سوريًا.

