أكد السفير الأمريكي في أنقرة توم باراك، خلال مشاركته في قمة الشرق الأوسط وإفريقيا التابعة لمعهد ميلكن في أبوظبي، أن العلاقة الشخصية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان باتت محورًا رئيسيًا في مقاربة واشنطن تجاه تركيا.
ووصف باراك هذه العلاقة بين الزعيمين بـ«البروماانس» (الصداقة الوثيقة) وبأنها «أمر إيجابي»، اعتبر باراك أن هذا الارتباط الشخصي يشكل نقطة تحول مقارنة بفترات التوتر السابقة بين البلدين.
وأوضح أن الإدارة الأمريكية لا تتبنى الرواية التي تتهم أردوغان بالسعي لإحياء النفوذ العثماني، مشددًا على أن واشنطن ترى أولوياته محصورة في إدارة الدولة ومراكزها الرئيسة، مع الاعتراف بتركيا كحليف أمني محوري ضمن منظومة الناتو.
تركيا في الحسابات الجيوسياسية الأمريكية
قدّم باراك قراءة لأهمية تركيا باعتبارها ثاني أكبر قوة في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، وممرًا حيويًا بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مع موقعها الحاسم على مضيق البوسفور. ورغم هذا الدور، يرى أنقرة أنها ما تزال تشعر بالإقصاء عن المنظومة السياسية الغربية، خاصة فيما يتعلق بعضويتها المتعثرة في الاتحاد الأوروبي.
أعباء داخلية وتوترات خارجية
أشار باراك إلى أن الاقتصاد التركي يمر بأزمة داخلية، في وقت تتشابك فيه سياسات أنقرة الخارجية مع ملفات حساسة مثل شراء منظومات روسية، والتحركات العسكرية في سوريا والعراق، والخلافات مع دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب إدارة ملف اللاجئين ومسارات الطاقة العابرة للحدود.
ورغم ذلك، اعتبر السفير أن تركيا تظل جزءًا لا يمكن الاستغناء عنه في «نسيج إقليمي» يشمل دولًا مثل أذربيجان وأرمينيا وطرق التجارة من بحر قزوين إلى المتوسط.
تركيا وإسرائيل: علاقات متدهورة ومسار محتمل للعودة
عند تقييم العلاقة بين أنقرة وتل أبيب، وصفها باراك بأنها «سيئة»، مشيرًا إلى الانهيار المفاجئ للتبادل التجاري الذي كان يحقق فائضًا لصالح تركيا قبل السادس من أكتوبر، والذي «اختفى في يوم واحد» عقب اندلاع الحرب على غزة.
وبيّن أن النظرة العامة في تركيا اليوم تميل إلى قراءة سلوك إسرائيل بوصفه توسعيًا وعابرًا للحدود، في ظل العمليات العسكرية المتكررة في سوريا ولبنان.
إمكانية إعادة المسار
رغم التوتر، توقع باراك أن تعود العلاقات بين الجانبين إلى مسار أكثر تنسيقًا بعد انتهاء العمليات العسكرية في غزة وبدء مرحلة سياسية جديدة، مشيرًا إلى احتمال إعادة إحياء نماذج شبيهة بالاتفاقات الإقليمية مثل «اتفاقات أبراهام» أو صيغ معدّلة منها.
دور تركيا في ملف غزة: الوساطة والسيناريوهات المقبلة
كشف باراك عن دور بارز لأنقرة في المفاوضات المتعلقة بإطلاق الرهائن، حيث تحركت بالتوازي مع قطر في المراحل الختامية، معتبرًا أن تدخلها أسهم في دفع المفاوضات الأمريكية نحو
“نقطة حاسمة”.
قوة استقرار محتملة بعد الانسحاب الإسرائيلي
وفي رؤيته الشخصية، أعرب السفير عن تأييده الشديد لمشاركة تركيا في قوة دولية لاستقرار غزة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية، لكونها طرفًا يتمتع بقنوات اتصال مع حماس. غير أنه شدد في الوقت ذاته على أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لن تقبل بهذا الطرح.
الظل الثقيل للاتهامات بالإبادة الجماعية
يدور النقاش حول مستقبل غزة على وقع أرقام مهولة للضحايا، مع دمار واسع وتهجير ومعاناة إنسانية خانقة. وأصبحت قضية الإبادة الجماعية المطروحة أمام محكمة العدل الدولية عاملًا ضاغطًا لا يمكن تجاوزه في أي صيغة دولية لإعادة الإعمار أو نشر قوات حفظ الاستقرار، خصوصًا بعد اتساع الدعم الدولي للدعوى التي تقودها جنوب إفريقيا، وانضمام تركيا إلى قائمة الدول المؤيدة.
كما تواصل منظمات حقوقية دولية توثيق ما تعتبره جرائم ترقى إلى الإبادة أو «الإفناء الجماعي»، ما يوحي بأن أي قوة دولية مستقبلية ستعمل تحت سقف قانوني وسياسي شديد الحساسية، وربما غير مسبوق.

