يشير الدبلوماسي التركي السابق عمر مراد إلى أنّ زيارة ثلاثة نواب من البرلمان التركي لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي أعادت فتح ملف حساس ظلّ مطمورًا منذ سنوات، لكنها كشفت أيضًا حجم الارتباك داخل أنقرة بشأن مستقبل “مسار السلام الكردي”.
فقد سبق الزيارة جدل واسع حول هوية المشاركين، وما إذا كانت المعارضة ستنضم، قبل أن يحسم حزب الشعب الجمهوري قراره برفض المشاركة.
هذا الموقف اكتسب وزنًا إضافيًا بعدما أصدر رئيس بلدية إسطنبول المعتقل، أكرم إمام أوغلو، بيانًا يؤكد فيه أن قرار حزبه جاء بالتنسيق معه، وأنه يرفض الانخراط في مبادرة “تفتقر إلى الشرعية الجماهيرية” وتتحرك في بيئة سياسية تضيق بالخلافات ولا تحترم أحكام المحاكم العليا داخل تركيا وخارجها.
إمام أوغلو: سلام بلا ضمانات ومعادلة سياسية مختلّة
يوضح عمر مراد أن موقف إمام أوغلو يسلّط الضوء على تناقض جوهري: الحكومة تضغط على المعارضة للمشاركة في عملية سياسية حساسة، بينما تستمر في تجريمها سياسيًا وقضائيًا، وتُبقي ملامح العملية غامضة بلا ضمانات أو وضوح في الأهداف.
إمام أوغلو قدّم قراءة مفادها أن الرئيس رجب طيب أردوغان يمسك بجميع خيوط العملية: التفاصيل، والمفاوضات، والترتيبات الأمنية، والاتصالات الدولية. ومع ذلك يفضّل البقاء في الظل، تاركًا للآخرين التورّط في المخاطر السياسية. وهذا الأسلوب يسمح له بالمناورة، لكنه يترك العملية دون “مالك سياسي” واضح.
استراتيجية أردوغان: تبنٍّ من الخلف وابتعاد محسوب
يرى عمر مراد أن أردوغان يعتمد خطابًا مموّهًا يظهر الدعم لفكرة “تركيا خالية من الإرهاب” دون الإفصاح عن الالتزامات أو التنازلات المطلوبة. كما يُعاد تقديم العملية باعتبارها “مشروع دولة”، وليس مشروع حكومة أو حزب، في محاولة لرفع المسؤولية السياسية عن القيادة نفسها.
لكن في دولة يتركز فيها القرار السياسي بيد شخص واحد، يصعب تصديق أن المسار يمكن أن يتحرك دون إشراف أردوغان الكامل. ومع ذلك، يبدو أن تجنّبه تحمّل المسؤولية العلنية مرتبط أساسًا بمخاوفه من خسارة قاعدة الناخبين القوميين الذين رُسّخ لديهم لعقود أن محاورة أوجلان “خط أحمر”.
الدافع الحقيقي وراء استعجال أنقرة: شمال سوريا
يلفت عمر مراد إلى أن المحرك الأعمق للعملية الجديدة بشأن القضية الكردية ليس داخليًا فحسب، بل يرتبط بالتحولات المتسارعة في سوريا. فبعد تغيّر المشهد السياسي في دمشق وصعود القيادة الانتقالية، باتت المنطقة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية تمثل واقعًا يصعب تجاوزه.
ورغم العمليات العسكرية والأعوام الطويلة من التعبئة القومية، لم تستطع أنقرة منع ترسخ هذا الكيان الذي يحظى بدعم أمريكي ودولي. وإزاء هذا الواقع، قبلت تركيا—ولو موقتًا—استمرار وجوده، مع السعي إلى إعادة صياغته ضمن تفاهمات جديدة.
تحوّل في الخطاب الأمني: من تفكيك واي بي جي إلى إدماجها
بحسب عمر مراد، تعكس المناقشات الأخيرة في أنقرة استعدادًا للتراجع عن شرط “تفكيك” وحدات حماية الشعب. إذ باتت الفكرة المطروحة هي دمج القوات الكردية ضمن الجيش السوري وفق اتفاق وقع بين القيادة السورية الجديدة ومظلوم عبدي. وهذه المقاربة لا تنهي وجود وحدات حماية الشعب، بل تعيد تشكيله داخل بنية الدولة السورية.
لكن تبرير هذا التحوّل للرأي العام التركي سيكون مهمة شاقة. فبعد عقود من اعتبار الحزب ووحداته امتدادًا لـ“عدو مطلق”، يصبح من الصعب إقناع الناخبين بأن قبولهم داخل هياكل الدولة السورية يمثل “انتصارًا”.
رهان أردوغان على المعارضة: شرعية سياسية من الخارج
يبيّن عمر مراد أن الحكومة كانت تأمل في مشاركة حزب الشعب الجمهوري لتوزيع الكلفة السياسية للعملية، وإظهارها كخيار وطني واسع. لكن رفض الحزب أجهض هذا الهدف وأربك الحسابات داخل السلطة. وقد ظهر الارتباك بوضوح عندما أنكر أحد نواب الحزب الحاكم مشاركته في الوفد قبل أن تؤكد رئاسة البرلمان الزيارة رسميًا بعد ساعات.
ويعكس هذا التناقض خوفًا من ردود الفعل الشعبية، وعدم رغبة الحكومة في تحمل المسؤولية سياسيًا وإعلاميًا.
التعتيم والتردد: مؤشر على هشاشة المسار
يرى عمر مراد أن السرية المفروضة على تفاصيل اللقاء، وغياب الصور، واستمرار منع نشر محاضر إمرالي منذ عقد كامل، كلها مؤشرات على أن العملية تتحرك وسط مخاوف عميقة من الانكشاف السياسي. فالسلام يحتاج إلى خطاب صريح وإقناع للرأي العام، وليس خطوات مبهمة تُدار خلف الأبواب المغلقة.
ومع بقاء أردوغان مترددًا في امتلاك العملية علنًا، تتعرض المحادثات لخطر الانهيار قبل أن تنضج.

