تعرّضت مساعي أنقرة لدعم مرشحها مصطفى سركان صبانجا لرئاسة الإنتربول لانتقادات حادة بعد تسريب مذكرة داخلية توضح تدخلًا مباشرًا في كيفية إعداد طلب ملاحقة دولية بحق محامٍ حقوقي يعيش في بلجيكا.
الوثيقة المسرّبة تظهر أن صبانجا، الذي يشغل منصب مدير المكتب المركزي الوطني للإنتربول في تركيا، وجّه عناصر الشرطة إلى تهيئة ملف “نشرة حمراء” بتهمة مالية بدلًا من تهم الإرهاب التي لم يُسمح بتمريرها عبر قنوات المنظمة الدولية.
تفاصيل القضية: محامٍ فرّ من تركيا وملف ملاحقة على خلفية سياسية
تشير المعلومات إلى أنّ المحامي الذي ذُكر في المذكرة باسم مستعار حفاظًا على سلامته، غادر تركيا مع عائلته عقب مداهمات أمنية سنة الأزمة السياسية عام 2016، قبل أن يحصل على اللجوء في بلجيكا. الرجل كان قد تولى سابقًا الدفاع عن أحد المتهمين بالانتماء إلى حركة الخدمة، وهي المجموعة التي تعتبرها أنقرة “تنظيمًا إرهابيًا” حتى قبل محاولة الانقلاب الغامضة في 2016، رغم أن هذا التصنيف ما يزال مرفوضًا من الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
المحامي أكد أنه يواجه تهمة اختلاس ترتبط بتحويل مالي بسيط، ويقول إنّ هذه التهمة جزء من أسلوب الضغط المتكرر الذي تُمارسه السلطات التركية ضد المحامين الذين دافعوا عن أفراد مرتبطين بحركة كولن.
تضخم في طلبات النشرات الحمراء ذات الطابع السياسي
تعكس المذكرة المسربة نهجًا تركيًا متزايدًا في استخدام آليات الإنتربول لملاحقة معارضين سياسيين. فأنقرة باتت ضمن أكثر الدول إرسالًا لطلبات الملاحقة الدولية بحق أشخاص تتهمهم بالارتباط بحركة كولن، ما دفع هيئات حقوقية أوروبية للتحذير من “تسييس التعاون الشرطي الدولي” واستغلاله لملاحقة صحفيين ومعلمين وموظفين سابقين في مؤسسات الدولة.
وفي السنوات الأخيرة، اتخذت المحاكم الأوروبية والأمريكية موقفًا واضحًا برفض معظم طلبات الترحيل المتعلقة بقضايا مرتبطة بالحركة، معتبرة أن جزءًا كبيرًا منها يحمل طابعًا سياسيًا لا جنائيًا.
المذكرة السرية: توصية باختيار تهمة مالية لتمرير الطلب
المعطيات الجديدة تفيد بأن صبانجا أبلغ في حزيران الماضي جهات أمنية وقضائية، بينها وزارة العدل وأجهزة الاستخبارات ومكافحة الجريمة المنظمة، بأن طلب الملاحقة على أساس تهم الإرهاب لن يتم قبوله عبر الإنتربول، داعيًا إلى صياغة ملف جديد بتهمة “الاختلاس” لضمان النظر فيه.
ورغم أن تركيا لم تتقدم في النهاية بالطلب، فإن مضمون المذكرة أثار قلق المحامي المعني من احتمال ممارسة ضغوط أكبر على المعارضين في حال فوز صبانجا بمنصب رئاسة المنظمة الدولية.
الانتخابات الحاسمة: موقع تركيا في السباق وتأثيراته
يخوض صبانجا الانتخابات في الجمعية العامة للإنتربول المنعقدة في مراكش، ضمن سباق يضم مرشحين من فرنسا وناميبيا وإثيوبيا. رئيس الإنتربول يتمتع بدور رمزي مهم لكنه يشارك في توجيه أعمال اللجنة التنفيذية للمنظمة، ما يمنحه نفوذًا على سياسات التعاون الدولي.
وتأتي هذه الانتخابات في ظل جدل مستمر بشأن حوكمة المنظمة، خصوصًا بعد تعرض الرئيس الحالي من دولة في الخليج لاتهامات تتعلق بالتعذيب، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول استقلالية الإنتربول وقدرتها على تحصين آلياتها من الضغط السياسي.
تكتيكات مستحدثة في الإخطارات الدولية
تقارير بحثية مستقلة كانت قد كشفت في بدايات هذا العام عن تعليمات داخلية وُجهت إلى الشرطة التركية لعدم استخدام توصيف “الإرهاب” في طلبات الإنتربول، واستبداله باتهامات تقنية أو مالية مثل “إساءة استخدام البيانات”، في محاولة للالتفاف على المعايير الصارمة التي تمنع المنظمة من التعامل مع القضايا ذات الخلفية السياسية.
موقف أنقرة والإنتربول
السفارة التركية في لندن نفت الاتهامات ووصفت الوثيقة بأنها “تلاعب” مصدره جماعة غولن، مؤكدة أن تركيا تلتزم بقواعد الإنتربول وأن التهم المالية المذكورة “تندرج ضمن الجرائم الجنائية العادية”.
من جهتها، شددت أمانة الإنتربول على أن دستورها يمنع أي طلب يحمل دوافع سياسية، وأن جميع النشرات تخضع لمراجعة دقيقة لضمان الحياد.

