أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكماً جديداً يحمّل تركيا مسؤولية انتهاك ضمانات الحرية الشخصية في حق عشرات المعتقلين الذين احتُجزوا بعد محاولة الانقلاب في عام 2016 بدعوى ارتباطهم بحركة الخدمة.
الحكم، الذي شمل ستةً وثمانين متقدماً، يعيد إلى الواجهة الأسئلة المتعلقة بمشروعية سياسات ما بعد الانقلاب وما تلاها من موجات توقيف واسعة، لا تزال آثارها ممتدة حتى اللحظة.
أساس الحكم: احتجاز بلا مبررات كافية
اعتبرت المحكمة أن قرارات التوقيف والحبس الاحتياطي اعتمدت على مبررات عامة ومجردة، دون تقديم أسباب فردية أو قائمة على أدلة ذات صلة، وهو ما يشكل انتهاكاً مباشراً لمعايير الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ولا سيما ما يتعلق بالحرية والأمن الشخصي.
وجاء في الحكم أن فترات الاحتجاز تراوحت بين عام واحد وأكثر من أربعة أعوام قبل بدء المحاكمات، دون تبرير قضائي معتبر.
تعويضات مالية ملزمة
أقرت المحكمة تعويضات لواحد وثمانين من المتقدمين، تشمل أضراراً غير مادية وتكاليف التقاضي، بما يعادل مجموعاً مالياً يقترب من ربع مليون يورو، يتعيّن تسديده خلال مهلة ثلاثة أشهر بعد تحويل المبالغ إلى العملة المحلية يوم السداد.
اتهامات قائمة على نمط واحد
أظهرت الوثائق الرقمية للقضية أن الاتهامات وُجِّهت استناداً إلى مجموعة من الأنشطة التي اعتبرتها السلطات التركية أدلة على الانتماء إلى حركة الخدمة، ومن بينها:
- استخدام تطبيق “بايلوك” للمراسلة.
- العمل لدى مؤسسات أُغلقت بموجب مراسيم الطوارئ.
- التواصل مع شخصيات مرتبطة بالحركة أو المشاركة في اجتماعات دينية.
- تقديم دعم مالي لمؤسسات ذات صلة.
- حيازة منشورات فكرية أو المشاركة في منصّات اجتماعية.
- الإقامة في بيوت جماعية مرتبطة بالحركة أو المساعدة في تسهيل التواصل بين أعضائها.
ورغم أن “بايلوك” كان تطبيقاً متاحاً للعموم قبل 2016، فإن السلطات التركية اعتبرته أداة اتصال سرية، دون وجود أدلة تربط رسائل التطبيق بمحاولة الانقلاب نفسها، وفق ما خلص إليه الحكم.
تصنيف محلي مقابل رفض دولي
تتهم أنقرة الحركة بأنها تنظيم إرهابي منذ منتصف 2016، غير أن هذا التصنيف لا يحظى باعتراف الولايات المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي أو المؤسسات الدولية. ولا يزال أتباع الحركة يؤكدون أنهم يتعرضون لـ“استهداف سياسي” يستند إلى خلافات عميقة بين الحكومة التركية والحركة في مؤسسات الدولة قبل الانقلاب.
حملة ما بعد الانقلاب: أرقام لا تزال في تصاعد
بحسب أحدث البيانات الرسمية، تجاوز عدد الذين صدرت بحقهم أحكام إدانة على خلفية الارتباط بالحركة مئة وستة وعشرين ألف شخص، لا يزال أكثر من أحد عشر ألفاً منهم داخل السجون.
وتستمر المحاكم في النظر في عشرات الآلاف من القضايا المفتوحة، فيما يبقى عشرات الآلاف الآخرون تحت التحقيق، رغم مرور ما يقارب العقد على الأحداث.
الهجرة القسرية
لم تتوقف التداعيات عند حدود الداخل التركي؛ إذ اضطر عدد كبير من المتهمين بموجب هذه القضايا إلى مغادرة البلاد خوفاً من الاعتقال أو الملاحقة الإدارية.
حكم ليس الأول… لكنه الأكثر شمولاً
يمثل القرار الأخير واحداً من سلسلة أحكام صدرت خلال السنوات الماضية ضد تركيا في قضايا مشابهة، ليعزز صورة نمطية تتشكل في سجلات المحكمة حول طبيعة الإجراءات القانونية في مرحلة ما بعد الانقلاب.
يأتي الحكم في وقت تواجه فيه تركيا انتقادات أوروبية متزايدة بشأن التزاماتها تجاه الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، خصوصاً بعد الجدل الأخير حول مستقبل عضويتها في المنظومة القضائية الأوروبية.

